أبن رويل
25/03/2005 - March 25th, 05:35 PM
لنتذكر أولاً أن الفكرة العلمانية أنتجت لنا مدرستان أساسيتان متناقضتان هما المدرسة ( الليبرالية ) والمدرسة ( الماركسية ) .
في إطار المدرسة الليبرالية نستطيع الحديث عن مواثيق حقوق الإنسان وعن الحريات العامة وعن الديمقراطية وعن كل المنجزات الإنسانية العظمى في الميدان السياسي ، ونستطيع ربط تلك المنجزات بصورة أو بأخرى بالفكرة العلمانية . إنما لا ينبغي أن يفوتنا أن تلك المنجزات هي وليدة صيرورة تاريخية ورحلة تطور وتجريب طويلة ، كما لا ينبغي أن يفوتنا أنه إلى جانب الوجه الإنساني الذي تقدمه الليبرالية السياسية فإن الليبرالية الاقتصادية تقدم وجهاً مفزعاً وانتهازياً ونفعياً ومعدوم الضمير والأخلاق !!
حين ندرس حركة الاستعمار الواسعة التي امتدت لتشمل معظم أنحاء الأرض سنجد أنها مرتبطة بالدول الليبرالية الغربية . ورغم أن ذلك يناقض الشعارات الليبرالية السياسية المعلنة حول حقوق الإنسان وحقوق الشعوب ، إلا أنه يجسد القيم الليبرالية على الصعيد الاقتصادي ، مثل تعظيم رأس المال والمنفعة والتنافس والصراع والسوق المفتوحة التي تسمح للكبار بسحق الصغار !!
ولنسأل أنفسنا : لماذا الدول الاستعمارية هي ذاتها الدول الليبرالية ؟
ثم لنسأل : ما هي أمريكا وكندا واستراليا ونيوزيلندا ؟!
أليست دول تم استيطانها من قبل الليبراليين الأوروبيين وتم القضاء على الكثير من سكانها الأصليين ؟!
والواقع أنه على الرغم من كل الشعارات السياسية الليبرالية والتي يتم تطبيقها داخلياً على مستوى الدول الليبرالية الغربية ، إلا أن العلاقات الخارجية لهذه الدول تحكمها الليبرالية الاقتصادية إلى أبعد مدى !!
فهذه العلاقات تقوم على التنافس والصراع واستتباع الدول واستنزاف خيراتها ورفع القيود والحواجز التي تحد من الهيمنة الكاملة للشركات الغربية العملاقة . ولذلك فلا غرابة أن تكون الدول الليبرالية على المستوى الداخلي هي أكثر الدول التي تلعب بالمواثيق الدولية وتخترقها وترفع الفيتو في وجه أي إرادة دولية لا تعجبها !!
حين ندرس حركة الرق والتمييز أو الفصل العنصري وتحديد الناس بحسب الألوان ، فهذه شعوب بيضاء وهذه شعوب صفراء ( الشرق آسيويون ) وهذه شعوب سمراء ( العرب وأهالي وسط وجنوب آسيا .... ) وهذه شعوب حمراء ( الهنود الحمر ) وهذه شعوب سوداء ( الأفارقة ) .
حين ندرس هذه الحركة وإفرازاتها سنجد أنها حركة مرتبطة بالدول الليبرالية الغربية وأنها تناقض الليبرالية السياسية ولكنها تنسجم مع الليبرالية الاقتصادية !!
حين ندرس حركة الانحلال الخلقي الواسعة على صعيد علاقة الرجل بالمرأة سنجد أنها مرتبطة بالدول الليبرالية الغربية وأنها تجسيد للفكرة الليبرالية في ميدان الأخلاق !!
نعم إن الفكرة الليبرالية هي إحدى منتجات الفكرة العلمانية ، إلا أنه ينبغي علينا أن نرى الفكرة الليبرالية في كافة تجلياتها السياسية والاقتصادية والأخلاقية . والأهم من ذلك أن نرى المنتج الآخر العكسي للفكرة العلمانية والمتمثل في الفكر الماركسي بشقيه الشيوعي والاشتراكي !!
في إطار الفكر الماركسي الذي تبناه نصف الغرب ونصف العالم على مدى عدة عقود وكان أكثر بريقاً وشيوعاً في العالم الثالث من الفكر الليبرالي لن نجد الفكرة الديمقراطية والحريات العامة بل سنجد الفكرة العكسية وهي فكرة دكتاتورية الطبقة العاملة والحزب الواحد .
لن نجد الليبرالية الاقتصادية بل سنجد الفكرة العكسية وهي ملكية الدولة لوسائل الإنتاج . لن نجد الليبرالية الأخلاقية بل سنجد الفكرة العكسية وهي فكرة الالتزام الصارم والنأي عن ابتذال المرأة .
لن نجد تجاهل الدين أو تحييده بل سنجد مجابهته ومقاومته !!
وهكذا فإن الفكرة العلمانية لم تنتج الليبرالية فقط ، بل أنتجت الماركسية ، كما أنتجت كذلك النازية والفاشية وغيرها .
وتلك هي مشكلتنا مع المنتجات المتناقضة للحضارة الغربية !!
لقد أدت الفكرة العلمانية إلى انطلاق العقل بغير ضوابط أو موجهات ، ولذلك فقد أفرزت منتجات فكرية تتدرج من النقيض إلى النقيض !!
هذه مقدمة بسيطة نهدف منها إلى التخفيف من غلواء اختزال الفكرة العلمانية وقصرها على بعض المنتجات السياسية لإحدى مدارسها !!
وعودة إلى المقولة التي عرضناها في مستهل هذه المشاركة ، وهي أن الفكرة العلمانية نشأت في الأصل للتخلص من سطوة الكنيسة وتحرير السياسة والمجتمع من رجال الدين الذين كانوا يحكمون استناداً إلى فكرة الحق الإلهي ويحتكرون الحقيقة ويدعون العصمة ويقدمون أنفسهم كممثلين لله على الأرض ويتحالفون مع الإقطاعيين ومحتكري المال والثروات ويشددون على الرهبنة وقيود الجسد .
هذه هي العوامل الأساسية التي أفرزت الفكرة العلمانية ، حتى وإن تطور الأمر لاحقاً إلى اتجاهات مختلفة وطروحات متباينة بعضها يصادم الدين ويرفض كل معطياته !!
الآن كبار المفكرين العلمانيين العرب يحاولون إسقاط هذا التاريخ على التجربة الإسلامية .
الصورة بالنسبة لهم لا تختلف في جوهرها عن الصورة الغربية .
المشكلة كل المشكلة في رجال الدين وسطوتهم ومقولاتهم !!
والواقع أن هذا هو الوهم بعينه والاستلاب بعينه والتغرب بعينه !!
علينا أن ندرك أن التجارب البشرية لا تتطابق أبداً .
وإذا كان لنا أن نقدم من التجربة الإسلامية شبيهاً بالكنيسة الغربية خلال القرون الوسطى الأوروبية فإن الشبيه لا يوجد عند رجال الدين وسطوتهم ومقولاتهم بل يوجد عند رجال السياسة وسطوتهم ومقولاتهم منذ عهد بني أمية إلى وقتنا الراهن .
الغرب عرف الكنيسة الدينية بكل أوضاعها ومقولاتها التي كانت تؤدي إلى مصادرة التفكير في السياسة وشؤون المجتمع .
أما العرب والمسلمين فقد عرفوا منذ عهد بني أمية ما يمكن تسميته بالكنيسة السياسية التي نجحت في مصادرة فرص التفكير في السياسة والأوطان وحركة المجتمعات !!
رأس الكنيسة في الغرب هو البابا ، وهو الآمر الناهي المقدس المعصوم . أما رأس الكنيسة السياسية عند العرب والمسلمين فهو الحاكم ، وهو من الناحية الفعلية الآمر الناهي المقدس المعصوم !!
الكنيسة في الغرب لها بابواتها وكرادلتها وقساوستها ومبشروها .
والكنيسة السياسية عند العرب والمسلمين لها حكامها وولاتها وعلماؤها وجنودها الذين لا هم لهم سوى تكريس سلطة البابا السياسي وإدخال السياسة وأمور المجتمع العامة إلى دائرة الممنوعات والمحرمات !!
فلنأخذ فسحة من الوقت ثم لنحاول تقليب صفحات هذه الكنيسة العجيبة التي تجثم على أنفاس العرب والمسلمين منذ انهيار الخلافة الراشدة إلى وقتنا الحاضر !!!
العلمانية ...... منذ عهد بني أمية ، ولكن بالمقلوب !!!
كانت مشكلة الغرب إذن مع تسلط الكنيسة على السياسة والمجتمع وادعاء العصمة وتمثيل الله على الأرض والتحالف مع الإقطاعيين ومحتكري المال والثروات .
ومن ثم فقد كان منطقياً أن تنشأ الفكرة العلمانية للفصل بين الدين والدولة ونزع القدسية عن عالم السياسة .
فهل كان يوجد على الصعيد الإسلامي مشكلة تتطلب الفصل بين الدين والدولة ؟!
الواقع أن الفترة الوحيدة في التاريخ الإسلامي التي لم تكن فيها أمور السياسة وقضايا المجتمع من المحرمات والممنوعات هي الفترة التي لم تعرف الفصل بين الدين والدولة .
- أي فترة الخلافة الراشدة .
- إنها الفترة الوحيدة التي وصل فيها الحكام إلى الحكم بغير السيف .
- الفترة الوحيدة التي لم يورث فيها الحكم ، بل كان يتم الاجتهاد في اختيار الأفضل بصورة أو بأخرى .
- الفترة الوحيدة التي لم يحدث في معظمها تفرد بالأمور العامة .
- الفترة الوحيدة التي حدثت فيها سيادة كاملة للشريعة على الجميع دون استثناءات .
- الفترة الوحيدة التي احترم فيها المال العام وكان هناك بحق بيت مال للمسلمين .
- الفترة الوحيدة التي لم تعرف فقهاء سلطة وبلاط .
- الفترة الوحيدة التي تحقق في معظمها مبدأ المساءلة والمحاسبة !!
المشكلة حدثت بالتحديد حين تم الفصل بين الدين والدولة منذ عهد بني أمية .
هذه هي بداية العلمانية في التاريخ الإسلامي .
ولكنها علمانية مقلوبة .
فقد نشأت العلمانية في الغرب لإخراج الدولة من دائرة القداسة والممنوعات والمحرمات .
أما في تاريخنا فقد حدث الفصل بين الدين والدولة منذ عهد بني أمية لهدف عكسي ، وهو إدخال السياسة والحكم إلى دائرة الممنوعات والمحرمات والقداسة الفعلية والواقعية .
هنا نشأ ما يمكن أن نسميه بالكنيسة السياسية .
وفي ظل هذه الكنيسة حدث فصل حقيقي بين الدين والسياسة !!
إذا تأملت الإيحاء العام لقيم الدين وتجربة الخلفاء الراشدين فإنك تستطيع الخلوص إلى أنه لا شرعية للوصول إلى الحكم عن طريق قهر المجتمع وإكراهه وفرض السلطة عليه .
أما في ظل الفصل بين الدين والسياسة الذي حدث منذ عهد بني أمية فإن الوسيلة الوحيدة للوصول إلى الحكم هي القهر والإكراه وفرض السلطة على المجتمع !!
نصوص الوحي وقيم الدين وتجربة الخلفاء الراشدين تقول بأنه يجب أن يكون هناك سيادة كاملة للشريعة وقواعد العدل والمساواة ، أما في ظل الفصل بين الدين والسياسة فهناك تطبيق طبقي للشريعة .
التطبيق الذي أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه السبب في هلاك الأمم من قبلنا !!
الوحي يصف المؤمنين بأن أمرهم شورى بينهم ، أما في ظل الفصل بين الدين والسياسة فأمر المسلمين لا ينبغي ولا يجوز أن يكون شورى بينهم ، بل يجب أن يكون حكراً على هذا البابا السياسي المسمى الحاكم !!
قيم الدين وتجربة الخلفاء الراشدين تقول بوجود بيت مال للمسلمين لا يجوز التعدي عليه ، أما في ظل الفصل بين الدين والسياسة فبيت مال المسلمين يجب أن يكون للحاكم وليس لأحد حق السؤال عن المال العام أو الحديث عنه !!
الآن ، هذا الفصل الحقيقي والهائل بين الدين وبين السياسة وشؤون المجتمع لا يكاد يحتل في وعينا أية أهمية تذكر ، لعدة أسباب من أهمها :
- أن الانحرافات التي حدثت كان يجند لها فقهاء وأشباه فقهاء يضفون عليها الشرعية ويلتمسون لها الأعذار ، خصوصاً وأن الشأن السياسي بطبعه يقبل الاجتهاد والتأويل وتعدد الألوان ويسهل فيه تزييف الوعي والتجهيل والمناورة .
- أن عقلية التقليد التي ترسخت على مدى قرون عديدة تسمح بقبول أعظم وأخطر الانحرافات مادام الناس يتشربونها وينشئون عليها منذ الصغر .
- أن ثقافة الاستبداد والحكم المطلق هي الثقافة العامة لدى البشر على امتداد معظم فترات التاريخ ، وهي تنسجم مع الوعي التلقائي البسيط ومع الثقافة العشائرية والقبلية والبدوية .
- أن ثقافة الفصل بين الدين وبين السياسة وشؤون المجتمع العامة كانت الثقافة الوحيدة المسموح بها منذ عهد بني أمية إلى أن انهارت الدولة العثمانية . وإن نظرت إلى كتب التراث فإنك ستجد الألوف المؤلفة من المصنفات التي كتبت حول المعاملات المدنية ، وستجد أنهم قد خاضوا في تفاصيل تلك المعاملات ودقائقها وأسرارها ، بل ستجد أنهم يتجاوزون الواقع ويخوضون في الفرضيات إلى حدود تستدعي ضرب بعض الأمثلة المضحكة أو غير المعقولة .
إن نظرت إلى موضوعات الأحوال الشخصية فستجد وضعاً مماثلاً .
وحتى إن نظرت إلى موضوعات العبادات فستجد عدداً هائلاً من المصنفات والاجتهادات والتفريعات والافتراضات ، وقد يتعلق ذلك بمسائل ضيقة ومحدودة مثل الوضوء والنجاسة والغسل والطهارة .
ستجد تفصيلات تفوق حدود الخيال ، وستجد أن هذه الموضوعات أشبعت بحثاً وأنهم وصلوا بها إلى ما يزيد عن درجة الإشباع وأصبحوا يخوضون في فرضيات أقرب إلى الترف الفكري .
بل إنك إن نظرت إلى أمور العقيدة فستجد أن تاريخنا عرف ملحدين مثل ابن الراوندي وغيره ، وأن لهم العديد من المصنفات وأن الكثيرين قد ردوا عليهم وأداروا حواراً واسعاً حول قضايا الإيمان والكفر ووجود الله أو عدم وجوده .
ستجد أن أعظم القضايا التي أخذت وقت المفكرين والفلاسفة والعلماء واستغرق بحثها العديد من القرون هي قضية الغيب غير الدنيوي والتوافق أو التناقض بين العقل والنقل ، وستجد أن صراعاً هائلاً دار حول قضية مغرقة في حساسيتها مثل قضية خلق القرآن !!.
وفي مقابل كل هذا النشاط والغلو في الاجتهاد بشأن المعاملات المدنية والأحوال الشخصية والعبادات والإيمان والكفر وصورة عالم الغيب ستجد أن هناك منطقة محرمة وملغومة ومهلكة ومقفرة إلا من تسويغ الاستبداد وأهله وهي منطقة السياسة .
ستجد أن أبسط الآراء المعارضة على هذا الصعيد قد أودت بأصحابها إلى القبور أو السجون وسائر أنواع الأذى ، حتى وإن كانوا أئمة بوزن الإمام مالك الذي أوذي بسبب إعلانه بأنه ليس على المكرَه بيعة .
وهناك دائماً فقهاء بلاط يسوغون الاستبداد ويعدون الفتاوى والحملات بوجه كل من يدعو إلى الإصلاح .
لكل هذه الأسباب فإن استبعاد قيم الدين الكبرى من ميدان السياسة وشؤون المجتمع العامة لم يعد غريباً أو مدعاة للتساؤل .
لقد اعتدنا على الوصول إلى الحكم عن طريق القوة والإكراه ، إنما حين نرجع إلى قيم الإسلام العامة وتجربة الخلفاء الراشدين فإن هذا يعد انحرافاً خطيراً وهائلاً يلقي بظلاله على كل شيء في حياة الناس وفي دنياهم وحتى في بعض عقائدهم وعباداتهم .
إعتدنا على توارث الحكم وتولية الأقارب والأصهار ، وهي أمور تنسجم مع ثقافتنا العشائرية والقروية والبدوية ، إنما وفق قيم الإسلام العامة وتجربة الخلفاء الراشدين فإن هذا يعد من الانحرافات الكبيرة التي لا أصل لها في الدين وتتنافى مع قيم العدالة المساواة وتنسف مبدأ الشورى من أساسه .
إعتدنا على الحكم المطلق والتفرد بالأمور العامة وقدسية الحكام ، وهي أمور لا تجافي كثيراً ثقافتنا العشائرية والقروية والبدوية ، إنما استناداً إلى قيم الإسلام العامة وتجربة الخلفاء الراشدين فإن هذه هي الفرعونية بقضها وقضيضها ، وهي تؤدي إلى الإخلال بقيم العدالة المساواة وتنسف مبدأ الشورى نسفاً كاملاً .
إعتدنا على التطبيق الطبقي للشريعة واستثناء الحاكم والمقربين منه من الكثير من أحكامها ، وهي أمور لا تجافي كثيراً ثقافتنا العشائرية والقروية والبدوية ، إنما وفق قيم الإسلام العامة وتجربة الخلفاء الراشدين فإن هذا يعد إخلالاً كاملاً بقواعد العدالة والمساواة وهو ما أهلك الأمم من قبلنا كما أشار الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال إنما أهلك الأمم من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد .
إعتدنا على الاستيلاء على بيت مال المسلمين ، وهو أمر لا يجافي كثيراً ثقافتنا العشائرية والقروية والبدوية ، إنما وفق قيم الإسلام العامة وتجربة الخلفاء الراشدين فإن هذا يشبه السطو المسلح على أموال المسلمين وفي ظله تحدث مجموعة هائلة من السرقات والاختلاسات التي لا حصر لها ولا حدود ولا يستحق من يقومون بها في أحكام الشرع سوى أقسى العقوبات
إعتدنا على منع وتجريم الخوض في أمور السياسة وشؤون المجتمع العامة ، وهي أمور لا تتجافى كثيرا ًمع ثقافتنا العشائرية والقروية والبدوية ، إنما وفق قيم الإسلام العامة وتجربة الخلفاء الراشدين فإن هذا يعد منعاً وتجريماً لأمور ليست مباحة فقط بل واجبة ولا معنى للشورى وللكثير من متطلبات العدالة والمساواة ورسالة الإصلاح في ظل وجود مثل هذا المنع والتجريم .
وهكذا فإن المشكلة لا تكمن في الدين ، بل تكمن في عالم السياسة منذ انهيار الخلافة الراشدة إلى لحظتنا الراهنة . هنا يمكن الحديث عن مظالم وانحرافات تشبه في جوهرها بل تفوق في بعض جوانبها مظالم وانحرافات الكنيسة الأوروبية خلال القرون الوسطى !!
هنا يمكن الحديث عن فصل حقيقي بين الدين والدولة ، لكن ليس بهدف إخراج شؤون الدولة من دائرة القداسة والممنوعات والمحرمات ، بل بهدف إدخالها إلى تلك الدائرة !!
هذه الثنائية أو الفصل بين الشأن الديني الذي تختلف درجات الحرية في تناوله من فترة لأخرى وبين الشأن السياسي الذي لا مجال فيه إلا للخضوع أو السيف .
هذه الثنائية ظلت متحققة وثابتة منذ عهد بني أمية إلى عصرنا .
بل إنها ترسخت في الوعي العام حتى أصبحت من المسلمات التي لا تثير أية غرابة .
فحين قامت دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب تم اللجوء إلى هذا الفصل وهذه الثنائية ، فاستلمت عائلة قضايا التدين الجماهيري والفتوى والقضاء ، واستلمت عائلة أخرى قضايا الحكم والمناصب والمال العام والإعلام والعلاقات الخارجية وكل الأمور السيادية . ثم ترسخ هذا الفصل إلى أن أصبح الحديث في هذه القضايا من المحرمات وأصبح للعائلة التي استلمت أمور السياسة قدسية واقعية لا تكاد تعادلها أية قدسية .
لا شك أنه يوجد بعض التفسيرات والطروحات الدينية التي تثير الانقباض والفزع ، إلا أننا نعتقد أن مثل هذه التفسيرات والطروحات ليست التفسيرات والطروحات الوحيدة أو حتى الأساسية ، بل هي طروحات استثنائية تظهر خلال الأزمات وحالات الخواء الفكري . ومن ثم فإن مشكلتنا التاريخية والمعاصرة لم تكن مع الدين ، بل كانت ولا تزال مع حكام القوة والإكراه الذين أنشأوا ما يشبه الكنيسة السياسية !!
لقد راجت الفكرة العلمانية في العالم العربي خلال العصر الحديث ووصل البعض إلى الحكم رافعين الراية العلمانية . راية الفصل بين الدين والسياسة .
ولكن المتأمل للأوضاع سيلمس أن الراية العلمانية استخدمت أيضاً لهدف عكسي ، فبينما كان الهدف من الفكرة العلمانية هو إخراج السياسة وشؤون الدولة من دائرة الممنوعات والمحرمات والقداسة ، فإن الأنظمة العربية الحديثة التي ترفع الراية العلمانية لم تبدع في شيء قدر إبداعها في إدخال السياسة إلى دائرة الممنوعات والمحرمات والقداسة !!
وهكذا فإن الفصل بين الدين والدولة في العالم العربي وفي التاريخ الإسلامي تم لهدف مناقض لهدف العلمانية .
ففي ظل الراية الإسلامية منذ عهد بني أمية إلى نهاية الدولة العثمانية كان الهدف هو إدخال السياسة وشؤون الدولة إلى دائرة المحرمات والممنوعات والقداسة .
وفي ظل الراية العلمانية التي رفعت في بعض الدول العربية ظل ذات الهدف قائماً ، بل ازدادت واتسعت درجة القداسة والمنع والتحريم التي أضفيت على السياسة وشؤون الدولة !!
إن الدول العربية تتفاوت كثيراً من حيث الموقف من الدين ، ولكن مواقفها تتفق حول الكنيسة السياسية التي لم يفرط بها أي نظام حكم عربي ولن يفرط بها إلا حين يتغير الوعي السائد لغير مصلحة هذا الوضع الكنسي الشاذ !!
حقوق النباتات !!!
إذا كان لنا أن نرسم صورة كاريكاتيرية لحقوق الناس منذ نشوء الكنيسة السياسية في عهد بني أمية إلى وقتنا الراهن فإن حقوقهم في عمومها تشبه حقوق النباتات !!
النباتات تتغذى وتتنفس وتنمو وتزهر وتثمر وتسبح بحمد ربها وتسجد له وتعيش لمدد تصل إلى أيام أو أسابيع أو سنوات أو عقود أو قرون ( بحسب عمر النبتة أو الشجرة ) ثم تذبل وتموت !!
الناس في ظل الكنيسة السياسية ليس من حقهم أن يتناولوا الشؤون السياسية والحكم والمناصب والمال والعلاقات الخارجية والإعلام والأمن الداخلي والقرارات المصيرية .
- باختصار ليس من حقهم المشاركة في الأمور الكبرى التي تقيم الدنيا أو تقعدها .
- ليس من حقهم أن يراقبوا مواطن الخلل الكبرى .
- ليس من حقهم أن ينتقدوا أداء كبار المتنفذين وتوجهاتهم وقراراتهم وسلوكياتهم .
- ليس من حقهم أن يتساءلوا عن المال العام وأين ينفق وكيف ينفق .
- كل قضايا الحياة الكبرى ليس من حقهم المشاركة فيها وتصحيح أوضاع الأمة ورسم معالم مستقبلها .
أناس بهذه الأوضاع لا تكاد تختلف حقوقهم الأساسية عن حقوق النباتات . فهم مثلها يتغذون ويتنفسون ويثمرون ( ينجبون ) ويعبدون الله ويعيشون على هذا النحو إلى أن يتوفاهم ملك الموت !!
هذا ما صنعه ويصنعه قانون القوة والإكراه في عالم السياسة وشؤون المجتمع الكبرى !!
فلنتناول بشيء من التفصيل والأمثلة الحية البنية التي يصنعها هذا القانون المهلك !!
إنه القانون الأساسي الذي يحكم السياسة منذ عهد بني أمية ، وهو منبع معظم السلبيات والمظالم الكبرى التي يمكن تصورها في عالم السياسة .
قد تتفاوت صور التطبيق من حيث درجة بساطتها أو تعقيدها ، ولكن إن نظرنا إلى الطابع العام والغالب لمؤهلات الحاكم في إطار قانون القوة والإكراه فإنه يمكن القول بأن أهم مؤهلات ذلك الشخص هي أن يقوم بعملية سطو مسلح على الوطن والمجتمع ، فإن فشل أقيم عليه حد الحرابة وتلقى لعنة الكثير من الناس وإدانة التاريخ الذي يكتبه المنتصرون ، وإن نجح أصبح ولي الأمر والآمر الناهي ومن يتحكم في البشر ومن يورث غنائم عملية السطو المسلح لأبنائه وأحفاده ومن لا يُسأل عما يفعل ومن يصبح الكلام عنه أكثر رهبة عند عامة الناس من الكلام عن رب العالمين !!
والواقع أن قصص استيلاء الحكام على السلطة منذ عهد بني أمية ورغم أنها في طابعها العام تجسد وتترجم فكرة السطو المسلح على المجتمع وعلى رقاب الناس ، إلا أنه يوجد بعض التفاصيل التي تجعل المرء يتساءل عما إذا كان ما حدث قد تم في عالم البشر أم أنه لا يمكن أن يحدث إلا في عالم الأساطير والخرافات ؟!
إلى غير المطلعين من القراء الكرام على تفاصيل تاريخنا السياسي نود أن نقدم لمحة موجزة لما هو أغرب من الخيال ولكنه تم على أرض الواقع وباسم الخلافة الإسلامية وبمباركة علماء وفقهاء السلاطين .
ففي عهد الدولة العثمانية ساد في فترة معينة عرف أو عادة تقضي بقتل الإخوة وأبناء الإخوة من قبل الحاكم فور توليه السلطة .
وتطبيقاً لهذا العرف ارتكبت مجموعة ضخمة من جرائم القتل العائلية المروعة ، فكانت أول الأعمال المطلوبة من الحاكم الجديد هي قتل جميع الإخوة وأبنائهم بمن فيهم الرضع للقضاء على أي منافس محتمل .
وهكذا فإن أولى الإنجازات التي يستهل بها الحاكم ولايته هي ارتكاب مجزرة دموية بحق أقرب المقربين إليه .
ثم ويا لسوء الحظ لن يكون جزاء هذا القاتل السفاح هو القتل دون شفقة أو رحمة كما تقضي بذلك أحكام الشريعة الإسلامية ، بل سيكون جزاؤه هو أن يصبح - وبكل بساطة - ولي أمر المسلمين كما تقضي بذلك قوانين الكنيسة السياسية .
في فترة أخرى من حياة الدولة العثمانية استبدل عرف أو قانون قتل الإخوة بقانون حبسهم في أقفاص إلى أن يموتوا أو تدعو الحاجة إليهم !!
وهكذا فإن الحاكم كان يصل إلى السلطة فيكون أول أعماله هو وضع أقرب المقربين إليه داخل أقفاص إلى أن يموتوا أو يموت هو .
وللمرء أن يتصور كيف ستكون حقوق الشعب وعامة المسلمين في نظر هذا الحاكم إذا كان هذا هو فعله بأقرب المقربين إليه ؟!.
العجيب أنه قد حدث فعلاً أن تم الاحتياج إلى بعض هؤلاء المسجونين في الأقفاص ليتسلموا الحكم ، فجيء بهم من أقفاصهم وتم تنصيبهم كولاة لأمر المسلمين !!
مهازل وفضائع يندى لها الجبين ، ولكنها بكل أسف تعد نتيجة طبيعية من نتائج قانون القوة والإكراه في الاستيلاء على الحكم .
والواقع أنه يوجد في حكم الفاطميين والمماليك وغيرهم مجموعة من المهازل والفضائع التي قد لا تقل غرابة عما حدث خلال الحكم العثماني !!
هذا القانون الإرهابي ( قانون القوة والإكراه ) يقود إلى سلسلة من السنن المهلكة والأفعال المخزية التي لا تنسجم مع أبسط قيم وأحكام الشريعة !!
من هذه السنن سنة توريث الأبناء وأفراد العائلة في استبعاد صريح وكامل لقيمة الشورى وقواعد العدل والمساواة .
والتوريث قد لا يتم للأبناء أو أفراد العائلة ، بل قد يكون التوريث مهنياً مثل توريث العسكر لبعضهم في العصر الحديث ، فهو نوع من أنواع التوريث يتم في إطار قانون القوة والإكراه ويجافي قواعد العدل والمساواة ومبدأ الشورى .
من بين السنن المتولدة عن قانون القوة والإكراه سنة الاعتماد على الولاء بدلاً من الكفاءة ، وهذه السنة تقود بشكل تلقائي وحتمي إلى وضع الأقارب والأصهار والمرتزقة والنفعيين والوصوليين في مراكز السلطة والتأثير واتخاذ القرار ، ذلك أن لديهم استعداد فطري أو مبدئي للإخلاص والولاء لقريبهم أو ولي نعمتهم ، وبالتالي فكل همهم سيكون إرضاء الحاكم ، أما الأكفاء فأعظم همومهم ستكون خدمة المجتمع ، وأعظم خدمة سيقدمها هؤلاء للمجتمع هي التقليص من الحكم المطلق ومن نفوذ الأقارب والأصهار واحترام المال العام ...... الخ .
وهذه الأفعال هي على النقيض من سنن وبنية الكنيسة السياسية ، ولذلك فإنه يتعين استبعاد الأكفاء بقدر الإمكان .
وفي عهد الدولة العربية الحديثة أصبح الترقي للوظائف ما فوق المتوسطة سواء كانت مدنية أو عسكرية مرهوناً بنظافة السجل السياسي للشخص وولائه للحاكم ، هذا فضلاً عن الشروط العائلية والمناطقية وما إليها ...
من السنن المهلكة التي تنتج عن قانون القوة والإكراه أن الرسالة الكبرى للسلطة تتحول من خدمة المجتمع - كما تقضي بذلك قيم الدين وتجربة الخلفاء الراشدين - إلى ضمان السيطرة على المجتمع كما يقضي بذلك قانون القوة والإكراه .
طبعاً حكومات القوة والإكراه تسعى لخدمة المجتمع ولكن الوزن النسبي والقيمة النسبية لهذا الهدف لا تتوازى ولا تتساوى مع هدف الحفاظ على السلطة وترويض المجتمع بكل السبل الممكنة .
السلطة الحاكمة في إطار الكنيسة السياسية تعمل من أجل تكوين جيش لحماية المجتمع وتعمل من أجل تشكيل شرطة لحماية أمن الناس ، ولكن الوزن النسبي والأهمية النسبية لهذا الهدف تقل كثيراً عن الوزن والأهمية والأولوية التي تعطى للأمن السياسي والأجهزة التي يتم تشكيلها من أجل حماية النظام .
بل إنه حتى في إطار الجيش فإن الكثير من سلطات القوة والإكراه تسعى لترويض هذا الجيش وتحجيمه قدر الإمكان ، حتى وإن اضطرت للاعتماد على الأجانب وأشباه المرتزقة من أجل تعزيز فرص الحفاظ على السلطة .
هذا شيء حدث في عهد الدولة العباسية من خلال الاعتماد على البرامكة ثم الترك ، وحدث في عهد الدولة العثمانية من خلال جيش الانكشارية المكون من أبناء الدول الأوروبية المفتوحة .
ويحدث هذا في الزمن العربي الراهن من خلال الاعتماد على حماية بعض الدول الغربية الكبرى .
تقديم متطلبات الحفاظ على السلطة على متطلبات خدمة المجتمع يحدث على كل صعيد .
يمكن أن نراه من خلال المشروعات التي تعطى لبعض الدول كسباً لرضاها أو لبعض المناطق كسباً لرضا أهلها أو لبعض الأشخاص كسباً لولائهم .
إن المحرك الأول لحكومات القوة والإكراه هو الحفاظ على السلطة حتى وإن تمت التضحية بالوطن ، ولعل صدام حسين يعد مثالاً صارخاً ومتطرفاً يجسد أولويات حكومات القوة والإكراه .
الكل يتبعون ذات السنة ، ولكن الدرجات والأساليب والوسائل متفاوتة .
من السنن المهلكة التي تنتج عن قانون القوة والإكراه سنة القمع وتكميم الأفواه ومجابهة كل دعوات الإصلاح . إننا نتحدث عن سلطة وصلت إلى الحكم عن طريق القوة والإكراه ، فهل يتوقع منها غير انتهاج سياسة القمع وتكميم الأفواه ومجابهة كل دعوات الإصلاح ؟!
المؤلم أن كل عمليات القمع وتكميم الأفواه تتم خارج نطاق الشريعة والقانون وأبسط مبادئ العدالة .
ففي التاريخ الإسلامي منذ عهد بني أمية كان يكفي أن يغضب الحاكم أو الوالي ليأمر السياف بقطع رأس فلان أو فلان ، وذلك خارج نطاق القضاء والمحاكمات ، هذا رغم أن القضاء لم يكن مستقلاً ولا مالكاً لأمره .
ولننظر إلى ما يحصل في العصر الحديث لنشعر بما كان يحدث في الماضي .
فما يسمى بالجرائم السياسية والمساجين السياسيين يتم التعامل معهم خارج نطاق القانون والقضاء .
وكمثال على ذلك فحين تم سجن رموز من أمثال العودة والحوالي وسعيد بن زعير والعمر وغيرهم ، رغم أنهم لم يشككوا في شرعية الحكم أو يطالبوا بتغييره ، بل اقتصرت كل ( التهم ) المنسوبة لهم على حديثهم عن بعض الملاحظات وأوجه التقصير .
مع ذلك تم سجنهم لسنوات طويلة وتم الحصول على تأييد المؤسسة الدينية الرسمية لسجن بعضهم وسكوتها عن سجن بعضهم الآخر ، ولم يعرض أمرهم على القضاء ولم يصدر بحقهم أي حكم .
هذا رغم أنهم رموز معنية بالفكر والفقه .
فكيف بالأمر حين نتصور حالة من يتحدثون في شؤون السياسة من بين العاديين والبسطاء من الناس ؟!
ببساطة ، إنه يتم قمعهم وسجنهم وربما قتلهم خارج دائرة الشريعة والنظام والقضاء والمحاكمات .
إنه لون من ألوان شريعة الغاب أو صورة من صور كنيسة الرعب السياسية ، وهو أمر متحقق ومتكرر منذ عهد بني أمية إلى لحظتنا الراهنة !!
من السنن المهلكة التي تنتج عن قانون القوة والإكراه سنة الحكم المطلق التي تقضي على استقلالية المجتمع واستقلالية العلماء واستقلالية القضاء .
السلطة المطلقة مفسدة مطلقة .
وللأسف فهذه السنة هي أمر قائم وثابت منذ تسلط حكام القوة والإكراه على رقاب الناس .
من السنن المهلكة التي تنتج عن قانون القوة والإكراه سنة استثناء الحاكم وبعض المقربين منه من الكثير من أحكام الشريعة وقواعد العدل والمساواة .
ماذا لو ارتكب الحاكم أو بعض المقربين منه جريمة قتل ؟!
إن بعضهم قتلة بالفعل ولم يصلوا إلى الحكم إلا عبر القتل ولا يتعاملون مع دعاة الإصلاح إلا من خلال لغة القتل بدون قانون أو محاكمة !!.
فأين حكم الشريعة عن القاتل ؟!
ماذا لو سرق الحاكم أو اختلس ؟!
إن هذا يحدث بصورة يومية وروتينية ، فبيت المال كله للحاكم !!
فأين حكم الشريعة عن هذا السارق أو المختلس ؟!
ماذا لو زنى الحاكم أو شرب الخمر ؟!
الكل يعلم أن حياة الترف هي طريق سهل وأكيد نحو ارتكاب المحرمات السلوكية ، وقانون القوة والإكراه يعد أسرع الطرق وأسهلها نحو حياة الترف . ولكن أين حكم الشريعة عن القصور وما يجري فيها ، ومن يستطيع أصلاً أن يتحدث عن وجود مخالفة أو معصية .... أو قصور ينبغي أن تخضع لما تخضع له كل البيوت ؟!
لا شك أن معظم القراء تابعوا أخبار التحقيق مع الرئيس الأمريكي السابق حول علاقته مع مونيكا لوينسكي ، وتابعوا منذ فترة أخبار التحقيق مع توني بلير حول الكذب بشأن أسحة الدمار الشامل العراقية ، ويتابعون الآن أخبار التحقيق مع أرييل شارون حول اتهامات بخرق قانون الانتخابات أثناء حملته الانتخابية ، وقبل ذلك تابعوا أخبار التحقيق مع بنيامين نتنياهو حول قيامه بترميم شقته باستخدام أموال أو تسهيلات حكومية !!!
الذي نود أن نؤكد عليه هو أن الأمر لا يتعلق بمزايا خلقية أو عقلية يتمتع بها كلينتون أو بلير أو شارون أو نتنياهو ، ولا يتعلق بعيوب خلقية أو عقلية لدى حكامنا الذين لا يمكن أن يخضعوا لمثل هذه التحقيقات ، بل الأمر كله متعلق بوجود قانون اختيار السلطة عند الأولين وقانون القوة والإكراه عند الآخرين .... !!!
تقديس الحكام ..... وفواجع أخرى !!!
من النتائج الملازمة لقانون القوة والإكراه تقديس الحكام وأعضاء الطبقة السياسية .
وهذه نتيجة حتمية ملازمة لأسلوب القوة والإكراه في الاستيلاء على الحكم ، سواء عند العرب والمسلمين أو عند العجم والكافرين !!
فلننظر إلى بعض المفارقات التي نبتلعها دون أن نكاد نشعر !!
من يستولي على سوق بالقوة المسلحة قد نعده من المفسدين في الأرض ونطبق عليه حد الحرابة ولا نتعاطف معه وننظر إليه كمجرم لئيم يستحق أقسى وأشد العقوبات ، أما من يستولي على الوطن بالقوة المسلحة فإنه لا ينال منا سوى الاستسلام والتقديس أو في أفضل الحالات السكوت !!
قد يظن البعض أن تقديس الحكام لم يوجد إلا خلال فترات متقطعة من تاريخنا ، بينما الواقع أن هذا التقديس متحقق ومستمر منذ عهد بني أمية إلى لحظتنا الراهنة ، فما عدا بعض الحالات الشاذة والاستثنائية كحالة عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه .
وليس الفضل فينا بل الفضل فيه وفي أمثاله ممن استطاعوا التحرر من أسر سنن الكنيسة السياسية التي عاشوا في ظلها !!
ماذا يعني تقديس الحاكم ؟
إنه يعني أولاً استثناؤه من المحاسبة والمساءلة ، فهو لا يُسأل عما يفعل ، وهذه صفة يختص بها الله تعالى !!
فهل وجد منذ عهد بني أمية حاكم يُسأل عما يفعل ؟!
هل يُسأل لماذا وليت فلان أو لم تول فلان ، ولماذا اتخذت هذا القرار أو لم تتخذ هذا القرار ، وأين مال الناس وفيم أنفقته ، ولماذا تقيم علاقة مع هذه الدولة أو تلك الدولة ..... الخ ؟!
هل وجد منذ عهد بني أمية حاكم قيل له أو يمكن أن يقال له أنت مخطئ ؟!
ربما يظن البعض أن الأمر كان مختلفاً في الأزمان الماضية .
ولذلك فإننا نطالب القارئ الكريم بأن يتصور أنه من سوريا .
هل يستطيع أن يقول لحاكم سوريا أنت مخطئ ؟!
ليتصور أنه تونسي ، فهل يستطيع أن يقول لحاكم تونس أنت مخطئ ؟!
ليصحو من الحلم وليتذكر أنه من هذا البلد ، فهل يستطيع أن يقول للملك أنت مخطئ ؟!
هل يستطيع أن يقول لولي العهد أنت مخطئ ؟!
هل يستطيع أن يقول لوزير الخارجية أو الداخلية أو الدفاع أنت مخطئ ؟! هل يستطيع أن يقول ذلك لأصغر متنفذ ممن ينتمون إلى الأسرة الحاكمة ؟!
هل يُسأل أي من هؤلاء عن قراراتهم وعن أدائهم وعن إنجازاتهم وعن إخفاقاتهم وعن مداخيلهم وعن مصروفاتهم وعن سلوكياتهم مهما صادمت كل شرع وكل عرف ؟!
إنهم لا يُسألون عما يفعلون ، رغم أنهم يديرون كل شؤون الناس ويتحكمون في حاضر الأمة ويرسمون معالم مستقبلها !!
يستطيع الكتاب في الكثير من البلدان العربية أن يسخروا من الله ورسله وكتبه وكل مقدس ، وقد لا يؤدي ذلك إلا إلى تكريمهم والاحتفاء بهم ، أما إن قدح أحدهم في حاكمه ولو بصورة غير مباشرة فإن رجس البابا السياسي وغضبه سيحلان عليه !!.
بل يستطيع كاتب من هذا البلد أن يقول في رواية إن الله والشيطان وجهان لعملة واحدة ، ومع ذلك فإنه لا خوف عليه بل قد تزيد حظوته وترتقي مكانته . وأنا أصدق فعلاً أنه لم يقصد المعنى الحرفي الذي استنتجه البعض ، كما أنني مقتنع بأن الروايات تحتمل ما لا يحتمله الكلام المباشر الصريح .
ورغم ذلك فلنفترض أن الكاتب في هذه الرواية وبنفس القصد النبيل والنظيف قد وضع كلمة الملك بدلاً من الله فصارت الجملة ( الملك والشيطان وجهان لعملة واحدة ) .
بل لنفترض أنه قال الشيطان وولي العهد أو وزير الدفاع أو الداخلية أو الخارجية ...... وجهان لعملة واحدة .
ترى هل كان الأمر سيمر مرور الكرام ويتم الدفاع عنه والتماس الأعذار له ؟!
وأكثر من ذلك لننظر إلى فضيلة المفتي وأعضاء هيئة كبار العلماء وهم يمارسون التقديس من البدء إلى المنتهى !!
فهؤلاء لا يترددون في التصدي لأمور الناس وفي إصدار الفتاوى حول مختلف شؤون حياتهم مهما صغرت ، بل ولا يترددون في الأخذ بالأحوط واختيار أشد الآراء والتفسيرات والمواقف .
وهانحن نشاهدهم في الفترة الحالية يتصدون لمسلسل تلفزيوني مثل طاش ما طاش ويفتي بعضهم بكفر ما جاء في بعض حلقاته ويحذرون الناس منه أشد التحذير !!
الآن ، هؤلاء لن تجد لهم كلمة واحدة في أي شأن من شؤون السياسة أو الحكم أو المناصب أو المال أو الإعلام أو العلاقات الخارجية أو الأمن الداخلي إلا في اتجاه تأييد وتزكية أعمال السلطة !!
إذن ففضيلة المفتي وأعضاء هيئة كبار العلماء يطبقون فعلياً وبشكل كامل ونموذجي فكرة كون الحاكم والمقربين منه فوق المساءلة والمحاسبة والنقد .
وفي ضوء ما أشرنا إليه من أن التقديس يعني في المقام الأول أن يكون الشخص فوق المساءلة والمحاسبة والنقد فإننا نسأل : ترى كم لدينا من المقدسين وفق هذا المعيار ؟!
ليت الأمر يقف عند حدود عدم المساءلة والمحاسبة والنقد ، ولكنه يتعداه إلى التمجيد والتطبيل والمديح المنهمر آناء الليل وأطراف النهار عبر كل المنابر والأدوات والأجهزة ، حتى وإن تعلق الأمر ببعض المهازل والمخازي والفواجع !!
لا سيل غير سيل التمجيد والثناء والإطراء ، حتى وإن كان الجميع أو على الأقل الغالبية يعلمون علم اليقين أن الأمر كله نفاق في نفاق وكذب في كذب ودجل في دجل .
ولكن لا بأس فحكام القوة والإكراه يتمايلون وينتشون لهذا النفاق والكذب والدجل !!. ولا شك أن بُنية الكنيسة السياسية ومعظم سننها تصب في النهاية في خانة تقديس الحاكم .
فالحكم المطلق يؤدي إلى خضوع الجميع بشكل أو بآخر لسلطة الحاكم ، بمن فيهم رجال القضاء ورجال المؤسسة الدينية ورجال الإعلام وغيرهم .
الكل موظفون لدى السلطة ويخشون أبسط المبادرات ويعلمون أن أوضاعهم يمكن أن تنقلب رأساً على عقب بجرة قلم من البابا السياسي أو أحد قساوسته ومطارنته !!
في الماضي كان الشعر أهم أدوات المديح ، ولعل النسبة الغالبة من شعرنا العربي تصب في خدمة هذا الغرض ، رغم أن الجميع يعلمون أن شعر المديح كله نفاق ودجل وارتزاق . حتى المواهب تجند وتسحر في أعمال عبثية لخدمة كنيسة الرعب السياسية !!
في العصر الحديث لم يعد أمر التمجيد والتطبيل والمديح مقصوراً على الشعراء وفقهاء وكتاب البلاط ، فقد ظهرت وسائل الإعلام وأصبح دورها الأساسي هو إعلاء راية التجهيل والتزييف والتمجيد والكذب والنفاق !!
من نتائج قانون القوة والإكراه انتشار الواسطة والمحسوبيات على حساب الكفاءة والنزاهة . وهذا أمر طبيعي . فالناس يشعرون أن الكفاءة غير متوفرة في هرم السلطة ولا في عموم الطبقة السياسية .
يرون حكومات القوة والإكراه تورث الحكم للأبناء وأفراد العائلة وتولي الأقارب والأصهار والموالين من المنتفعين والمطبلين .
فكيف لا يلجأون هم إلى الواسطة ويخدمون الأقارب والأصدقاء ما دامت هذه هي القاعدة المتبعة في شغل أعظم وأخطر المناصب ؟!
من نتائج قانون القوة والإكراه إضعاف الولاء للوطن .
فما دامت حقوقك لا تكاد تتجاوز حقوق النباتات فلم الولاء للوطن ؟!
مادام حديثك عن أحوال الوطن وقضاياه الكبرى ممنوع وقد يودي بك إلى حتفك أو إلى هضم الكثير من حقوقك فلم الولاء للوطن ؟!
بقية الفواجع
من نتائج قانون القوة والإكراه تحقيق درجة أكبر من الأمن ، ولكنه يكون على حساب قتل روح المبادرة وتضييق فرص الإبداع .
إن الأمن الذي يتحقق بفعل قانون القوة والإكراه هو نوع من أمن الخائفين والمرعوبين .
إنه كأمن السجناء في السجن .
أمن مصدره الخوف والرعب .
فالمخاوف تطارد الإنسان إذا أراد أن يتحدث في السياسة أو المناصب أو المال العام أو مختلف شؤون الأمة .
تطارده المخاوف إن رأى شرطياً أو رجل مرور أو رجل سلطة ، لأنه لا يدري ما هي حدود سلطات هؤلاء الرجال !!
يعلم أن عشرات الجهات تستطيع أن تضعه في السجن .
يعلم أنه لا سيادة للنظام إلا على الضعفاء وأن بعض الأشخاص يستطيعون قلب كل شيء رأساً على عقب !!
من أجل ذلك فإن من الطبيعي أن يتحقق قدر أكبر من الأمن .
فالمجتمع مليء بالخوف والرعب وسلبي إلى أقصى الحدود ويتردد حيال الكثير من المبادرات ويخشى الكثير من صور الإبداع !!
إنها حالة السكون والخمول الحضاري .
حالة المرضى حضارياً وأشباه الموتى حضارياً ، فهم دوماً الأقل أخطاء لأنهم الأقل فعلاً وتأثيراً وإبداعاً وقدرة وإنجازاً !!!
من نتائج قانون القوة والإكراه شيوع منطق الغنيمة في النظرة إلى الوطن والمال العام .
الكل ينظر إلى الوطن كبقرة حلوب من البابا السياسي إلى أصغر رعايا الكنيسة السياسية .
فمادام تم الاستيلاء على الوطن بالقوة المسلحة فهو غنيمة !!
المناصب غنيمة .
والمال العام غنيمة .
والثروات غنيمة .
ولننظر إلى أحوالنا فهي تقدم صورة نموذجية لهذه العقلية المرضية .
فالحكام هم أكثر المستفيدين من صلاح أحوال البلد وأكثر المتضررين من انهياره .
هذا ما يمليه المنطق السليم ، ولكن منطق الغنيمة يملي سلوكاً مختلفاً .
فهؤلاء الحكام يتنافسون في نهب المال العام وفي الاستيلاء على الأراضي على حساب عامة الناس وفي تبديد الثروات حتى وصلت ديوننا ونحن أغنى دولة نفطية وبشعب محدود العدد إلى ما يزيد عن سبعمائة مليار ريال !!
ورغم هذه الديون الهائلة والأوضاع المتردية لعموم الناس ونسبة البطالة التي تصل إلى الثلث فإن المتنفذين لدينا يستثمرون في الخارج وفي بلاد تفرض عليهم ضرائب عالية ومتنوعة أكثر من ثمانمائة مليار دولار !!
إنها عقلية الغنيمة .
فالوطن ليس سوى بقرة حلوب من الواجب امتصاصها حتى آخر قطرة !!
وإذا كانت هذه هي الأحوال عند أكثر المستفيدين من صلاح الأوضاع وأكثر المتضررين من فسادها فما بالك ببقية الناس ؟!
لهذا ليس مستغرباً أن يتم ابتكار كل الوسائل لنهب المال العام ، فالانتدابات وخارج الدوام معظمها كذب ودجل ، وخصخصة بعض المشروعات بهدف تحسين دخلها وأدائها تتحول إلى نهب هائل للمال ، مثلما حدث في الماضي في سمارك ويحدث الآن في شركة الاتصالات وسيحدث مستقبلاً في أي مشروع يتم تخصيصه ورفع بعض القيود عنه .
إنها عقلية الغنيمة ومنطق الغنيمة !!
من نتائج قانون القوة والإكراه صعوبة تحقيق التقارب والوحدة .
الشعوب لو خيرت فقد تختار التقارب والوحدة ، ولكن أين هو البابا السياسي الذي يمكن أن يتخلى عن كنيسته السياسية وعن كل المغانم والكراسي والخزائن أو يقبل التقليل من صلاحياته والانزواء إلى الظل خلف حاكم دولة أخرى من أجل قضية التقارب والوحدة !!
هذا شيء لا يجيده بابوات السياسة ممن وصلوا إلى الحكم عن طريق القوة والإكراه .
هؤلاء إن كانوا إخوة فإنهم قد يجيدون عزل وطرد إخوتهم من أجل السيطرة على الحكم دون منازع .
إن كانوا أبناء فإنهم قد يجيدون قتل أو سجن أو عزل آبائهم من أجل الانفراد بالسلطة .
فهل يريد أحد من هؤلاء الذين يضحون بإخوتهم وآبائهم من أجل الانفراد بالحكم أن يقدموا بعض التضحيات من أجل الأمة ؟!
الأمة هي المطالبة بتقديم التضحيات من أجلهم ، فهم بابوات لا يخطئون ولا يُسألون عما يعملون !!
من نتائج قانون القوة والإكراه سرعة الوقوع في الترف والملذات والفساد الخلقي . فبعد الاستيلاء على الحكم بالقوة المسلحة والاستيلاء على الخزائن والثروات بالقوة المسلحة ، وبعد أن يكون الحكام قد أصبحوا فوق المساءلة والمحاسبة والنقد وأصبحوا لا ينالون سوى سيلاً منهمراً من التمجيد والتطبيل ، فإن النتيجة الطبيعية والحتمية والمنطقية هي الوقوع في الترف والملذات وحياة القصور والملاهي !!
المال موجود بلا حدود وهموم الحياة اليومية غير موجودة وسيف المحاسبة والمساءلة معطل ومكسور ولا حق لأحد أن يسأل عن القصور وعما في القصور وعمن يأتي إليها أو يخرج منها فكيف لا تشتعل وتعلو حياة اللهو والصخب والملذات والموبقات الخلقية ؟!
هذه قصة متكررة حدثت منذ عهد بني أمية ، وتحققت بسرعة البرق بفعل العوامل التي أشرنا إليها ، ولا زالت تتحقق وستظل تتحقق طالما لا يوجد لا حسيب ولا رقيب لا على المال ولا على العمل ولا على السلوك .
ولا تسأل أين حكم الشريعة من كل هذا ، فمادام اختيار الحكام ومحاسبتهم ومساءلتهم معطلاً فإن أحكام الشريعة ستبقى معطلة عند أصحاب القوة والإكراه !!
طبعاً معظم القراء تابعوا أخبار قصة الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون مع مونيكا لوينسكي ، ولعل بعضهم شعر بالتقزز من تلك القصة .
إلا أن ما يستحق أن يكون واضحاً هو أن أفعال الرئيس الأمريكي ليست جريمة بموجب القانون الأمريكي وليست شيئاً معيباً من منظور الثقافة السائدة ولا تصادم سلوكيات غالبية الأمريكيين ، ربما إلا من زاوية كون الرئيس رجلاً متزوجاً .
أهم ما جعل القصة غير مقبولة ليس ورع وتقوى الأمريكيين ولا حرصهم على مشاعر زوجة الرئيس ، بل هو قانون الرضا والاختيار في الوصول إلى الحكام .
فمادام أمر الحاكم بيد الناس فإنهم يحرصون من أجل تحقيق مصالحهم على اختيار أفضل الناس لإدارة شؤونهم .
هذا ما يقود إليه قانون الرضا والاختيار .
أما قانون القوة والإكراه فإنه يقول إن ما حدث من الرئيس الأمريكي السابق لا يكاد يعادل نقطة في بحر ما يفعله الكثير من المتنفذين العرب والمسلمين منذ عهد بني أمية إلى وقتنا الحاضر دون أن يكون في استطاعة أحد الحديث عن مخازيهم أو مساءلتهم أو محاسبتهم أو إيقاف سيل تمجيدهم وتقديسهم !!
إن كل السنن المهلكة وكل الفواجع والكوارث التي عرضناها ليست إلا نتيجة طبيعية وحتمية من نتائج قانون القوة والإكراه في الوصول إلى الحكم . فماذا تقول الثقافة السائدة حول هذا القانون ؟؟
لقد نجحت الكنيسة السياسية في إنتاج ثقافة تخوف الناس من تغيير هذا القانون بحجة المصلحة والخوف من الفتنة ووجوب الصبر على الظالمين ، وكأن المسألة تقف عند حدود الظلم !!
نجحت في حجب وتهوين كل هذه المخازي والفضائع بتخويف الناس من الدستور والانتخابات بحجة أن دستورنا هو كتاب الله !!
وأيم الله أن الامتثال المخلص لكتاب الله ولسنة رسوله ولسيرة الخلفاء الراشدين يقضي بإقرار قانون الرضا والاختيار في الوصول إلى الحكم ونسف كل هذه المخازي والفضائع من جذورها .
نعم هناك مصلحة وهناك فتنة ويجب الصبر على الظالمين إذا كنا سنستبدل حاكماً قاهراً بآخر مثله دون أن نغير قانون القوة والإكراه .
فالدماء التي ستسيل ستذهب هدراً وسيكرر القاهر الجديد ذات القصة لأن القانون لم يتغير .
أما إذا كنا سنستبدل قانون القوة والإكراه في الوصول إلى الحكم بقانون الرضا والاختيار فإن المصلحة كل المصلحة في التدافع نحو التغيير والفتنة كل الفتنة في بقاء قانون القوة والإكراه والحياة كل الحياة في شيوع قانون الرضا والاختيار .
كيف السبيل إلى شيوع ذلك القانون ؟؟
إنه الوعي حين يتعاظم ويزداد ويتراكم حول هذا القانون وفضائله وحول قانون القوة والإكراه ورذائله .
حين يحدث ذلك ويتحول هذا الوعي إلى تيار واسع يسري في المجتمع فإن التغيير سيحدث ، وقد تعهد الله أن يغير ما بنا إذا غيرنا ما بأنفسنا .
الكاتب / زائر الوسطية
في إطار المدرسة الليبرالية نستطيع الحديث عن مواثيق حقوق الإنسان وعن الحريات العامة وعن الديمقراطية وعن كل المنجزات الإنسانية العظمى في الميدان السياسي ، ونستطيع ربط تلك المنجزات بصورة أو بأخرى بالفكرة العلمانية . إنما لا ينبغي أن يفوتنا أن تلك المنجزات هي وليدة صيرورة تاريخية ورحلة تطور وتجريب طويلة ، كما لا ينبغي أن يفوتنا أنه إلى جانب الوجه الإنساني الذي تقدمه الليبرالية السياسية فإن الليبرالية الاقتصادية تقدم وجهاً مفزعاً وانتهازياً ونفعياً ومعدوم الضمير والأخلاق !!
حين ندرس حركة الاستعمار الواسعة التي امتدت لتشمل معظم أنحاء الأرض سنجد أنها مرتبطة بالدول الليبرالية الغربية . ورغم أن ذلك يناقض الشعارات الليبرالية السياسية المعلنة حول حقوق الإنسان وحقوق الشعوب ، إلا أنه يجسد القيم الليبرالية على الصعيد الاقتصادي ، مثل تعظيم رأس المال والمنفعة والتنافس والصراع والسوق المفتوحة التي تسمح للكبار بسحق الصغار !!
ولنسأل أنفسنا : لماذا الدول الاستعمارية هي ذاتها الدول الليبرالية ؟
ثم لنسأل : ما هي أمريكا وكندا واستراليا ونيوزيلندا ؟!
أليست دول تم استيطانها من قبل الليبراليين الأوروبيين وتم القضاء على الكثير من سكانها الأصليين ؟!
والواقع أنه على الرغم من كل الشعارات السياسية الليبرالية والتي يتم تطبيقها داخلياً على مستوى الدول الليبرالية الغربية ، إلا أن العلاقات الخارجية لهذه الدول تحكمها الليبرالية الاقتصادية إلى أبعد مدى !!
فهذه العلاقات تقوم على التنافس والصراع واستتباع الدول واستنزاف خيراتها ورفع القيود والحواجز التي تحد من الهيمنة الكاملة للشركات الغربية العملاقة . ولذلك فلا غرابة أن تكون الدول الليبرالية على المستوى الداخلي هي أكثر الدول التي تلعب بالمواثيق الدولية وتخترقها وترفع الفيتو في وجه أي إرادة دولية لا تعجبها !!
حين ندرس حركة الرق والتمييز أو الفصل العنصري وتحديد الناس بحسب الألوان ، فهذه شعوب بيضاء وهذه شعوب صفراء ( الشرق آسيويون ) وهذه شعوب سمراء ( العرب وأهالي وسط وجنوب آسيا .... ) وهذه شعوب حمراء ( الهنود الحمر ) وهذه شعوب سوداء ( الأفارقة ) .
حين ندرس هذه الحركة وإفرازاتها سنجد أنها حركة مرتبطة بالدول الليبرالية الغربية وأنها تناقض الليبرالية السياسية ولكنها تنسجم مع الليبرالية الاقتصادية !!
حين ندرس حركة الانحلال الخلقي الواسعة على صعيد علاقة الرجل بالمرأة سنجد أنها مرتبطة بالدول الليبرالية الغربية وأنها تجسيد للفكرة الليبرالية في ميدان الأخلاق !!
نعم إن الفكرة الليبرالية هي إحدى منتجات الفكرة العلمانية ، إلا أنه ينبغي علينا أن نرى الفكرة الليبرالية في كافة تجلياتها السياسية والاقتصادية والأخلاقية . والأهم من ذلك أن نرى المنتج الآخر العكسي للفكرة العلمانية والمتمثل في الفكر الماركسي بشقيه الشيوعي والاشتراكي !!
في إطار الفكر الماركسي الذي تبناه نصف الغرب ونصف العالم على مدى عدة عقود وكان أكثر بريقاً وشيوعاً في العالم الثالث من الفكر الليبرالي لن نجد الفكرة الديمقراطية والحريات العامة بل سنجد الفكرة العكسية وهي فكرة دكتاتورية الطبقة العاملة والحزب الواحد .
لن نجد الليبرالية الاقتصادية بل سنجد الفكرة العكسية وهي ملكية الدولة لوسائل الإنتاج . لن نجد الليبرالية الأخلاقية بل سنجد الفكرة العكسية وهي فكرة الالتزام الصارم والنأي عن ابتذال المرأة .
لن نجد تجاهل الدين أو تحييده بل سنجد مجابهته ومقاومته !!
وهكذا فإن الفكرة العلمانية لم تنتج الليبرالية فقط ، بل أنتجت الماركسية ، كما أنتجت كذلك النازية والفاشية وغيرها .
وتلك هي مشكلتنا مع المنتجات المتناقضة للحضارة الغربية !!
لقد أدت الفكرة العلمانية إلى انطلاق العقل بغير ضوابط أو موجهات ، ولذلك فقد أفرزت منتجات فكرية تتدرج من النقيض إلى النقيض !!
هذه مقدمة بسيطة نهدف منها إلى التخفيف من غلواء اختزال الفكرة العلمانية وقصرها على بعض المنتجات السياسية لإحدى مدارسها !!
وعودة إلى المقولة التي عرضناها في مستهل هذه المشاركة ، وهي أن الفكرة العلمانية نشأت في الأصل للتخلص من سطوة الكنيسة وتحرير السياسة والمجتمع من رجال الدين الذين كانوا يحكمون استناداً إلى فكرة الحق الإلهي ويحتكرون الحقيقة ويدعون العصمة ويقدمون أنفسهم كممثلين لله على الأرض ويتحالفون مع الإقطاعيين ومحتكري المال والثروات ويشددون على الرهبنة وقيود الجسد .
هذه هي العوامل الأساسية التي أفرزت الفكرة العلمانية ، حتى وإن تطور الأمر لاحقاً إلى اتجاهات مختلفة وطروحات متباينة بعضها يصادم الدين ويرفض كل معطياته !!
الآن كبار المفكرين العلمانيين العرب يحاولون إسقاط هذا التاريخ على التجربة الإسلامية .
الصورة بالنسبة لهم لا تختلف في جوهرها عن الصورة الغربية .
المشكلة كل المشكلة في رجال الدين وسطوتهم ومقولاتهم !!
والواقع أن هذا هو الوهم بعينه والاستلاب بعينه والتغرب بعينه !!
علينا أن ندرك أن التجارب البشرية لا تتطابق أبداً .
وإذا كان لنا أن نقدم من التجربة الإسلامية شبيهاً بالكنيسة الغربية خلال القرون الوسطى الأوروبية فإن الشبيه لا يوجد عند رجال الدين وسطوتهم ومقولاتهم بل يوجد عند رجال السياسة وسطوتهم ومقولاتهم منذ عهد بني أمية إلى وقتنا الراهن .
الغرب عرف الكنيسة الدينية بكل أوضاعها ومقولاتها التي كانت تؤدي إلى مصادرة التفكير في السياسة وشؤون المجتمع .
أما العرب والمسلمين فقد عرفوا منذ عهد بني أمية ما يمكن تسميته بالكنيسة السياسية التي نجحت في مصادرة فرص التفكير في السياسة والأوطان وحركة المجتمعات !!
رأس الكنيسة في الغرب هو البابا ، وهو الآمر الناهي المقدس المعصوم . أما رأس الكنيسة السياسية عند العرب والمسلمين فهو الحاكم ، وهو من الناحية الفعلية الآمر الناهي المقدس المعصوم !!
الكنيسة في الغرب لها بابواتها وكرادلتها وقساوستها ومبشروها .
والكنيسة السياسية عند العرب والمسلمين لها حكامها وولاتها وعلماؤها وجنودها الذين لا هم لهم سوى تكريس سلطة البابا السياسي وإدخال السياسة وأمور المجتمع العامة إلى دائرة الممنوعات والمحرمات !!
فلنأخذ فسحة من الوقت ثم لنحاول تقليب صفحات هذه الكنيسة العجيبة التي تجثم على أنفاس العرب والمسلمين منذ انهيار الخلافة الراشدة إلى وقتنا الحاضر !!!
العلمانية ...... منذ عهد بني أمية ، ولكن بالمقلوب !!!
كانت مشكلة الغرب إذن مع تسلط الكنيسة على السياسة والمجتمع وادعاء العصمة وتمثيل الله على الأرض والتحالف مع الإقطاعيين ومحتكري المال والثروات .
ومن ثم فقد كان منطقياً أن تنشأ الفكرة العلمانية للفصل بين الدين والدولة ونزع القدسية عن عالم السياسة .
فهل كان يوجد على الصعيد الإسلامي مشكلة تتطلب الفصل بين الدين والدولة ؟!
الواقع أن الفترة الوحيدة في التاريخ الإسلامي التي لم تكن فيها أمور السياسة وقضايا المجتمع من المحرمات والممنوعات هي الفترة التي لم تعرف الفصل بين الدين والدولة .
- أي فترة الخلافة الراشدة .
- إنها الفترة الوحيدة التي وصل فيها الحكام إلى الحكم بغير السيف .
- الفترة الوحيدة التي لم يورث فيها الحكم ، بل كان يتم الاجتهاد في اختيار الأفضل بصورة أو بأخرى .
- الفترة الوحيدة التي لم يحدث في معظمها تفرد بالأمور العامة .
- الفترة الوحيدة التي حدثت فيها سيادة كاملة للشريعة على الجميع دون استثناءات .
- الفترة الوحيدة التي احترم فيها المال العام وكان هناك بحق بيت مال للمسلمين .
- الفترة الوحيدة التي لم تعرف فقهاء سلطة وبلاط .
- الفترة الوحيدة التي تحقق في معظمها مبدأ المساءلة والمحاسبة !!
المشكلة حدثت بالتحديد حين تم الفصل بين الدين والدولة منذ عهد بني أمية .
هذه هي بداية العلمانية في التاريخ الإسلامي .
ولكنها علمانية مقلوبة .
فقد نشأت العلمانية في الغرب لإخراج الدولة من دائرة القداسة والممنوعات والمحرمات .
أما في تاريخنا فقد حدث الفصل بين الدين والدولة منذ عهد بني أمية لهدف عكسي ، وهو إدخال السياسة والحكم إلى دائرة الممنوعات والمحرمات والقداسة الفعلية والواقعية .
هنا نشأ ما يمكن أن نسميه بالكنيسة السياسية .
وفي ظل هذه الكنيسة حدث فصل حقيقي بين الدين والسياسة !!
إذا تأملت الإيحاء العام لقيم الدين وتجربة الخلفاء الراشدين فإنك تستطيع الخلوص إلى أنه لا شرعية للوصول إلى الحكم عن طريق قهر المجتمع وإكراهه وفرض السلطة عليه .
أما في ظل الفصل بين الدين والسياسة الذي حدث منذ عهد بني أمية فإن الوسيلة الوحيدة للوصول إلى الحكم هي القهر والإكراه وفرض السلطة على المجتمع !!
نصوص الوحي وقيم الدين وتجربة الخلفاء الراشدين تقول بأنه يجب أن يكون هناك سيادة كاملة للشريعة وقواعد العدل والمساواة ، أما في ظل الفصل بين الدين والسياسة فهناك تطبيق طبقي للشريعة .
التطبيق الذي أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه السبب في هلاك الأمم من قبلنا !!
الوحي يصف المؤمنين بأن أمرهم شورى بينهم ، أما في ظل الفصل بين الدين والسياسة فأمر المسلمين لا ينبغي ولا يجوز أن يكون شورى بينهم ، بل يجب أن يكون حكراً على هذا البابا السياسي المسمى الحاكم !!
قيم الدين وتجربة الخلفاء الراشدين تقول بوجود بيت مال للمسلمين لا يجوز التعدي عليه ، أما في ظل الفصل بين الدين والسياسة فبيت مال المسلمين يجب أن يكون للحاكم وليس لأحد حق السؤال عن المال العام أو الحديث عنه !!
الآن ، هذا الفصل الحقيقي والهائل بين الدين وبين السياسة وشؤون المجتمع لا يكاد يحتل في وعينا أية أهمية تذكر ، لعدة أسباب من أهمها :
- أن الانحرافات التي حدثت كان يجند لها فقهاء وأشباه فقهاء يضفون عليها الشرعية ويلتمسون لها الأعذار ، خصوصاً وأن الشأن السياسي بطبعه يقبل الاجتهاد والتأويل وتعدد الألوان ويسهل فيه تزييف الوعي والتجهيل والمناورة .
- أن عقلية التقليد التي ترسخت على مدى قرون عديدة تسمح بقبول أعظم وأخطر الانحرافات مادام الناس يتشربونها وينشئون عليها منذ الصغر .
- أن ثقافة الاستبداد والحكم المطلق هي الثقافة العامة لدى البشر على امتداد معظم فترات التاريخ ، وهي تنسجم مع الوعي التلقائي البسيط ومع الثقافة العشائرية والقبلية والبدوية .
- أن ثقافة الفصل بين الدين وبين السياسة وشؤون المجتمع العامة كانت الثقافة الوحيدة المسموح بها منذ عهد بني أمية إلى أن انهارت الدولة العثمانية . وإن نظرت إلى كتب التراث فإنك ستجد الألوف المؤلفة من المصنفات التي كتبت حول المعاملات المدنية ، وستجد أنهم قد خاضوا في تفاصيل تلك المعاملات ودقائقها وأسرارها ، بل ستجد أنهم يتجاوزون الواقع ويخوضون في الفرضيات إلى حدود تستدعي ضرب بعض الأمثلة المضحكة أو غير المعقولة .
إن نظرت إلى موضوعات الأحوال الشخصية فستجد وضعاً مماثلاً .
وحتى إن نظرت إلى موضوعات العبادات فستجد عدداً هائلاً من المصنفات والاجتهادات والتفريعات والافتراضات ، وقد يتعلق ذلك بمسائل ضيقة ومحدودة مثل الوضوء والنجاسة والغسل والطهارة .
ستجد تفصيلات تفوق حدود الخيال ، وستجد أن هذه الموضوعات أشبعت بحثاً وأنهم وصلوا بها إلى ما يزيد عن درجة الإشباع وأصبحوا يخوضون في فرضيات أقرب إلى الترف الفكري .
بل إنك إن نظرت إلى أمور العقيدة فستجد أن تاريخنا عرف ملحدين مثل ابن الراوندي وغيره ، وأن لهم العديد من المصنفات وأن الكثيرين قد ردوا عليهم وأداروا حواراً واسعاً حول قضايا الإيمان والكفر ووجود الله أو عدم وجوده .
ستجد أن أعظم القضايا التي أخذت وقت المفكرين والفلاسفة والعلماء واستغرق بحثها العديد من القرون هي قضية الغيب غير الدنيوي والتوافق أو التناقض بين العقل والنقل ، وستجد أن صراعاً هائلاً دار حول قضية مغرقة في حساسيتها مثل قضية خلق القرآن !!.
وفي مقابل كل هذا النشاط والغلو في الاجتهاد بشأن المعاملات المدنية والأحوال الشخصية والعبادات والإيمان والكفر وصورة عالم الغيب ستجد أن هناك منطقة محرمة وملغومة ومهلكة ومقفرة إلا من تسويغ الاستبداد وأهله وهي منطقة السياسة .
ستجد أن أبسط الآراء المعارضة على هذا الصعيد قد أودت بأصحابها إلى القبور أو السجون وسائر أنواع الأذى ، حتى وإن كانوا أئمة بوزن الإمام مالك الذي أوذي بسبب إعلانه بأنه ليس على المكرَه بيعة .
وهناك دائماً فقهاء بلاط يسوغون الاستبداد ويعدون الفتاوى والحملات بوجه كل من يدعو إلى الإصلاح .
لكل هذه الأسباب فإن استبعاد قيم الدين الكبرى من ميدان السياسة وشؤون المجتمع العامة لم يعد غريباً أو مدعاة للتساؤل .
لقد اعتدنا على الوصول إلى الحكم عن طريق القوة والإكراه ، إنما حين نرجع إلى قيم الإسلام العامة وتجربة الخلفاء الراشدين فإن هذا يعد انحرافاً خطيراً وهائلاً يلقي بظلاله على كل شيء في حياة الناس وفي دنياهم وحتى في بعض عقائدهم وعباداتهم .
إعتدنا على توارث الحكم وتولية الأقارب والأصهار ، وهي أمور تنسجم مع ثقافتنا العشائرية والقروية والبدوية ، إنما وفق قيم الإسلام العامة وتجربة الخلفاء الراشدين فإن هذا يعد من الانحرافات الكبيرة التي لا أصل لها في الدين وتتنافى مع قيم العدالة المساواة وتنسف مبدأ الشورى من أساسه .
إعتدنا على الحكم المطلق والتفرد بالأمور العامة وقدسية الحكام ، وهي أمور لا تجافي كثيراً ثقافتنا العشائرية والقروية والبدوية ، إنما استناداً إلى قيم الإسلام العامة وتجربة الخلفاء الراشدين فإن هذه هي الفرعونية بقضها وقضيضها ، وهي تؤدي إلى الإخلال بقيم العدالة المساواة وتنسف مبدأ الشورى نسفاً كاملاً .
إعتدنا على التطبيق الطبقي للشريعة واستثناء الحاكم والمقربين منه من الكثير من أحكامها ، وهي أمور لا تجافي كثيراً ثقافتنا العشائرية والقروية والبدوية ، إنما وفق قيم الإسلام العامة وتجربة الخلفاء الراشدين فإن هذا يعد إخلالاً كاملاً بقواعد العدالة والمساواة وهو ما أهلك الأمم من قبلنا كما أشار الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال إنما أهلك الأمم من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد .
إعتدنا على الاستيلاء على بيت مال المسلمين ، وهو أمر لا يجافي كثيراً ثقافتنا العشائرية والقروية والبدوية ، إنما وفق قيم الإسلام العامة وتجربة الخلفاء الراشدين فإن هذا يشبه السطو المسلح على أموال المسلمين وفي ظله تحدث مجموعة هائلة من السرقات والاختلاسات التي لا حصر لها ولا حدود ولا يستحق من يقومون بها في أحكام الشرع سوى أقسى العقوبات
إعتدنا على منع وتجريم الخوض في أمور السياسة وشؤون المجتمع العامة ، وهي أمور لا تتجافى كثيرا ًمع ثقافتنا العشائرية والقروية والبدوية ، إنما وفق قيم الإسلام العامة وتجربة الخلفاء الراشدين فإن هذا يعد منعاً وتجريماً لأمور ليست مباحة فقط بل واجبة ولا معنى للشورى وللكثير من متطلبات العدالة والمساواة ورسالة الإصلاح في ظل وجود مثل هذا المنع والتجريم .
وهكذا فإن المشكلة لا تكمن في الدين ، بل تكمن في عالم السياسة منذ انهيار الخلافة الراشدة إلى لحظتنا الراهنة . هنا يمكن الحديث عن مظالم وانحرافات تشبه في جوهرها بل تفوق في بعض جوانبها مظالم وانحرافات الكنيسة الأوروبية خلال القرون الوسطى !!
هنا يمكن الحديث عن فصل حقيقي بين الدين والدولة ، لكن ليس بهدف إخراج شؤون الدولة من دائرة القداسة والممنوعات والمحرمات ، بل بهدف إدخالها إلى تلك الدائرة !!
هذه الثنائية أو الفصل بين الشأن الديني الذي تختلف درجات الحرية في تناوله من فترة لأخرى وبين الشأن السياسي الذي لا مجال فيه إلا للخضوع أو السيف .
هذه الثنائية ظلت متحققة وثابتة منذ عهد بني أمية إلى عصرنا .
بل إنها ترسخت في الوعي العام حتى أصبحت من المسلمات التي لا تثير أية غرابة .
فحين قامت دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب تم اللجوء إلى هذا الفصل وهذه الثنائية ، فاستلمت عائلة قضايا التدين الجماهيري والفتوى والقضاء ، واستلمت عائلة أخرى قضايا الحكم والمناصب والمال العام والإعلام والعلاقات الخارجية وكل الأمور السيادية . ثم ترسخ هذا الفصل إلى أن أصبح الحديث في هذه القضايا من المحرمات وأصبح للعائلة التي استلمت أمور السياسة قدسية واقعية لا تكاد تعادلها أية قدسية .
لا شك أنه يوجد بعض التفسيرات والطروحات الدينية التي تثير الانقباض والفزع ، إلا أننا نعتقد أن مثل هذه التفسيرات والطروحات ليست التفسيرات والطروحات الوحيدة أو حتى الأساسية ، بل هي طروحات استثنائية تظهر خلال الأزمات وحالات الخواء الفكري . ومن ثم فإن مشكلتنا التاريخية والمعاصرة لم تكن مع الدين ، بل كانت ولا تزال مع حكام القوة والإكراه الذين أنشأوا ما يشبه الكنيسة السياسية !!
لقد راجت الفكرة العلمانية في العالم العربي خلال العصر الحديث ووصل البعض إلى الحكم رافعين الراية العلمانية . راية الفصل بين الدين والسياسة .
ولكن المتأمل للأوضاع سيلمس أن الراية العلمانية استخدمت أيضاً لهدف عكسي ، فبينما كان الهدف من الفكرة العلمانية هو إخراج السياسة وشؤون الدولة من دائرة الممنوعات والمحرمات والقداسة ، فإن الأنظمة العربية الحديثة التي ترفع الراية العلمانية لم تبدع في شيء قدر إبداعها في إدخال السياسة إلى دائرة الممنوعات والمحرمات والقداسة !!
وهكذا فإن الفصل بين الدين والدولة في العالم العربي وفي التاريخ الإسلامي تم لهدف مناقض لهدف العلمانية .
ففي ظل الراية الإسلامية منذ عهد بني أمية إلى نهاية الدولة العثمانية كان الهدف هو إدخال السياسة وشؤون الدولة إلى دائرة المحرمات والممنوعات والقداسة .
وفي ظل الراية العلمانية التي رفعت في بعض الدول العربية ظل ذات الهدف قائماً ، بل ازدادت واتسعت درجة القداسة والمنع والتحريم التي أضفيت على السياسة وشؤون الدولة !!
إن الدول العربية تتفاوت كثيراً من حيث الموقف من الدين ، ولكن مواقفها تتفق حول الكنيسة السياسية التي لم يفرط بها أي نظام حكم عربي ولن يفرط بها إلا حين يتغير الوعي السائد لغير مصلحة هذا الوضع الكنسي الشاذ !!
حقوق النباتات !!!
إذا كان لنا أن نرسم صورة كاريكاتيرية لحقوق الناس منذ نشوء الكنيسة السياسية في عهد بني أمية إلى وقتنا الراهن فإن حقوقهم في عمومها تشبه حقوق النباتات !!
النباتات تتغذى وتتنفس وتنمو وتزهر وتثمر وتسبح بحمد ربها وتسجد له وتعيش لمدد تصل إلى أيام أو أسابيع أو سنوات أو عقود أو قرون ( بحسب عمر النبتة أو الشجرة ) ثم تذبل وتموت !!
الناس في ظل الكنيسة السياسية ليس من حقهم أن يتناولوا الشؤون السياسية والحكم والمناصب والمال والعلاقات الخارجية والإعلام والأمن الداخلي والقرارات المصيرية .
- باختصار ليس من حقهم المشاركة في الأمور الكبرى التي تقيم الدنيا أو تقعدها .
- ليس من حقهم أن يراقبوا مواطن الخلل الكبرى .
- ليس من حقهم أن ينتقدوا أداء كبار المتنفذين وتوجهاتهم وقراراتهم وسلوكياتهم .
- ليس من حقهم أن يتساءلوا عن المال العام وأين ينفق وكيف ينفق .
- كل قضايا الحياة الكبرى ليس من حقهم المشاركة فيها وتصحيح أوضاع الأمة ورسم معالم مستقبلها .
أناس بهذه الأوضاع لا تكاد تختلف حقوقهم الأساسية عن حقوق النباتات . فهم مثلها يتغذون ويتنفسون ويثمرون ( ينجبون ) ويعبدون الله ويعيشون على هذا النحو إلى أن يتوفاهم ملك الموت !!
هذا ما صنعه ويصنعه قانون القوة والإكراه في عالم السياسة وشؤون المجتمع الكبرى !!
فلنتناول بشيء من التفصيل والأمثلة الحية البنية التي يصنعها هذا القانون المهلك !!
إنه القانون الأساسي الذي يحكم السياسة منذ عهد بني أمية ، وهو منبع معظم السلبيات والمظالم الكبرى التي يمكن تصورها في عالم السياسة .
قد تتفاوت صور التطبيق من حيث درجة بساطتها أو تعقيدها ، ولكن إن نظرنا إلى الطابع العام والغالب لمؤهلات الحاكم في إطار قانون القوة والإكراه فإنه يمكن القول بأن أهم مؤهلات ذلك الشخص هي أن يقوم بعملية سطو مسلح على الوطن والمجتمع ، فإن فشل أقيم عليه حد الحرابة وتلقى لعنة الكثير من الناس وإدانة التاريخ الذي يكتبه المنتصرون ، وإن نجح أصبح ولي الأمر والآمر الناهي ومن يتحكم في البشر ومن يورث غنائم عملية السطو المسلح لأبنائه وأحفاده ومن لا يُسأل عما يفعل ومن يصبح الكلام عنه أكثر رهبة عند عامة الناس من الكلام عن رب العالمين !!
والواقع أن قصص استيلاء الحكام على السلطة منذ عهد بني أمية ورغم أنها في طابعها العام تجسد وتترجم فكرة السطو المسلح على المجتمع وعلى رقاب الناس ، إلا أنه يوجد بعض التفاصيل التي تجعل المرء يتساءل عما إذا كان ما حدث قد تم في عالم البشر أم أنه لا يمكن أن يحدث إلا في عالم الأساطير والخرافات ؟!
إلى غير المطلعين من القراء الكرام على تفاصيل تاريخنا السياسي نود أن نقدم لمحة موجزة لما هو أغرب من الخيال ولكنه تم على أرض الواقع وباسم الخلافة الإسلامية وبمباركة علماء وفقهاء السلاطين .
ففي عهد الدولة العثمانية ساد في فترة معينة عرف أو عادة تقضي بقتل الإخوة وأبناء الإخوة من قبل الحاكم فور توليه السلطة .
وتطبيقاً لهذا العرف ارتكبت مجموعة ضخمة من جرائم القتل العائلية المروعة ، فكانت أول الأعمال المطلوبة من الحاكم الجديد هي قتل جميع الإخوة وأبنائهم بمن فيهم الرضع للقضاء على أي منافس محتمل .
وهكذا فإن أولى الإنجازات التي يستهل بها الحاكم ولايته هي ارتكاب مجزرة دموية بحق أقرب المقربين إليه .
ثم ويا لسوء الحظ لن يكون جزاء هذا القاتل السفاح هو القتل دون شفقة أو رحمة كما تقضي بذلك أحكام الشريعة الإسلامية ، بل سيكون جزاؤه هو أن يصبح - وبكل بساطة - ولي أمر المسلمين كما تقضي بذلك قوانين الكنيسة السياسية .
في فترة أخرى من حياة الدولة العثمانية استبدل عرف أو قانون قتل الإخوة بقانون حبسهم في أقفاص إلى أن يموتوا أو تدعو الحاجة إليهم !!
وهكذا فإن الحاكم كان يصل إلى السلطة فيكون أول أعماله هو وضع أقرب المقربين إليه داخل أقفاص إلى أن يموتوا أو يموت هو .
وللمرء أن يتصور كيف ستكون حقوق الشعب وعامة المسلمين في نظر هذا الحاكم إذا كان هذا هو فعله بأقرب المقربين إليه ؟!.
العجيب أنه قد حدث فعلاً أن تم الاحتياج إلى بعض هؤلاء المسجونين في الأقفاص ليتسلموا الحكم ، فجيء بهم من أقفاصهم وتم تنصيبهم كولاة لأمر المسلمين !!
مهازل وفضائع يندى لها الجبين ، ولكنها بكل أسف تعد نتيجة طبيعية من نتائج قانون القوة والإكراه في الاستيلاء على الحكم .
والواقع أنه يوجد في حكم الفاطميين والمماليك وغيرهم مجموعة من المهازل والفضائع التي قد لا تقل غرابة عما حدث خلال الحكم العثماني !!
هذا القانون الإرهابي ( قانون القوة والإكراه ) يقود إلى سلسلة من السنن المهلكة والأفعال المخزية التي لا تنسجم مع أبسط قيم وأحكام الشريعة !!
من هذه السنن سنة توريث الأبناء وأفراد العائلة في استبعاد صريح وكامل لقيمة الشورى وقواعد العدل والمساواة .
والتوريث قد لا يتم للأبناء أو أفراد العائلة ، بل قد يكون التوريث مهنياً مثل توريث العسكر لبعضهم في العصر الحديث ، فهو نوع من أنواع التوريث يتم في إطار قانون القوة والإكراه ويجافي قواعد العدل والمساواة ومبدأ الشورى .
من بين السنن المتولدة عن قانون القوة والإكراه سنة الاعتماد على الولاء بدلاً من الكفاءة ، وهذه السنة تقود بشكل تلقائي وحتمي إلى وضع الأقارب والأصهار والمرتزقة والنفعيين والوصوليين في مراكز السلطة والتأثير واتخاذ القرار ، ذلك أن لديهم استعداد فطري أو مبدئي للإخلاص والولاء لقريبهم أو ولي نعمتهم ، وبالتالي فكل همهم سيكون إرضاء الحاكم ، أما الأكفاء فأعظم همومهم ستكون خدمة المجتمع ، وأعظم خدمة سيقدمها هؤلاء للمجتمع هي التقليص من الحكم المطلق ومن نفوذ الأقارب والأصهار واحترام المال العام ...... الخ .
وهذه الأفعال هي على النقيض من سنن وبنية الكنيسة السياسية ، ولذلك فإنه يتعين استبعاد الأكفاء بقدر الإمكان .
وفي عهد الدولة العربية الحديثة أصبح الترقي للوظائف ما فوق المتوسطة سواء كانت مدنية أو عسكرية مرهوناً بنظافة السجل السياسي للشخص وولائه للحاكم ، هذا فضلاً عن الشروط العائلية والمناطقية وما إليها ...
من السنن المهلكة التي تنتج عن قانون القوة والإكراه أن الرسالة الكبرى للسلطة تتحول من خدمة المجتمع - كما تقضي بذلك قيم الدين وتجربة الخلفاء الراشدين - إلى ضمان السيطرة على المجتمع كما يقضي بذلك قانون القوة والإكراه .
طبعاً حكومات القوة والإكراه تسعى لخدمة المجتمع ولكن الوزن النسبي والقيمة النسبية لهذا الهدف لا تتوازى ولا تتساوى مع هدف الحفاظ على السلطة وترويض المجتمع بكل السبل الممكنة .
السلطة الحاكمة في إطار الكنيسة السياسية تعمل من أجل تكوين جيش لحماية المجتمع وتعمل من أجل تشكيل شرطة لحماية أمن الناس ، ولكن الوزن النسبي والأهمية النسبية لهذا الهدف تقل كثيراً عن الوزن والأهمية والأولوية التي تعطى للأمن السياسي والأجهزة التي يتم تشكيلها من أجل حماية النظام .
بل إنه حتى في إطار الجيش فإن الكثير من سلطات القوة والإكراه تسعى لترويض هذا الجيش وتحجيمه قدر الإمكان ، حتى وإن اضطرت للاعتماد على الأجانب وأشباه المرتزقة من أجل تعزيز فرص الحفاظ على السلطة .
هذا شيء حدث في عهد الدولة العباسية من خلال الاعتماد على البرامكة ثم الترك ، وحدث في عهد الدولة العثمانية من خلال جيش الانكشارية المكون من أبناء الدول الأوروبية المفتوحة .
ويحدث هذا في الزمن العربي الراهن من خلال الاعتماد على حماية بعض الدول الغربية الكبرى .
تقديم متطلبات الحفاظ على السلطة على متطلبات خدمة المجتمع يحدث على كل صعيد .
يمكن أن نراه من خلال المشروعات التي تعطى لبعض الدول كسباً لرضاها أو لبعض المناطق كسباً لرضا أهلها أو لبعض الأشخاص كسباً لولائهم .
إن المحرك الأول لحكومات القوة والإكراه هو الحفاظ على السلطة حتى وإن تمت التضحية بالوطن ، ولعل صدام حسين يعد مثالاً صارخاً ومتطرفاً يجسد أولويات حكومات القوة والإكراه .
الكل يتبعون ذات السنة ، ولكن الدرجات والأساليب والوسائل متفاوتة .
من السنن المهلكة التي تنتج عن قانون القوة والإكراه سنة القمع وتكميم الأفواه ومجابهة كل دعوات الإصلاح . إننا نتحدث عن سلطة وصلت إلى الحكم عن طريق القوة والإكراه ، فهل يتوقع منها غير انتهاج سياسة القمع وتكميم الأفواه ومجابهة كل دعوات الإصلاح ؟!
المؤلم أن كل عمليات القمع وتكميم الأفواه تتم خارج نطاق الشريعة والقانون وأبسط مبادئ العدالة .
ففي التاريخ الإسلامي منذ عهد بني أمية كان يكفي أن يغضب الحاكم أو الوالي ليأمر السياف بقطع رأس فلان أو فلان ، وذلك خارج نطاق القضاء والمحاكمات ، هذا رغم أن القضاء لم يكن مستقلاً ولا مالكاً لأمره .
ولننظر إلى ما يحصل في العصر الحديث لنشعر بما كان يحدث في الماضي .
فما يسمى بالجرائم السياسية والمساجين السياسيين يتم التعامل معهم خارج نطاق القانون والقضاء .
وكمثال على ذلك فحين تم سجن رموز من أمثال العودة والحوالي وسعيد بن زعير والعمر وغيرهم ، رغم أنهم لم يشككوا في شرعية الحكم أو يطالبوا بتغييره ، بل اقتصرت كل ( التهم ) المنسوبة لهم على حديثهم عن بعض الملاحظات وأوجه التقصير .
مع ذلك تم سجنهم لسنوات طويلة وتم الحصول على تأييد المؤسسة الدينية الرسمية لسجن بعضهم وسكوتها عن سجن بعضهم الآخر ، ولم يعرض أمرهم على القضاء ولم يصدر بحقهم أي حكم .
هذا رغم أنهم رموز معنية بالفكر والفقه .
فكيف بالأمر حين نتصور حالة من يتحدثون في شؤون السياسة من بين العاديين والبسطاء من الناس ؟!
ببساطة ، إنه يتم قمعهم وسجنهم وربما قتلهم خارج دائرة الشريعة والنظام والقضاء والمحاكمات .
إنه لون من ألوان شريعة الغاب أو صورة من صور كنيسة الرعب السياسية ، وهو أمر متحقق ومتكرر منذ عهد بني أمية إلى لحظتنا الراهنة !!
من السنن المهلكة التي تنتج عن قانون القوة والإكراه سنة الحكم المطلق التي تقضي على استقلالية المجتمع واستقلالية العلماء واستقلالية القضاء .
السلطة المطلقة مفسدة مطلقة .
وللأسف فهذه السنة هي أمر قائم وثابت منذ تسلط حكام القوة والإكراه على رقاب الناس .
من السنن المهلكة التي تنتج عن قانون القوة والإكراه سنة استثناء الحاكم وبعض المقربين منه من الكثير من أحكام الشريعة وقواعد العدل والمساواة .
ماذا لو ارتكب الحاكم أو بعض المقربين منه جريمة قتل ؟!
إن بعضهم قتلة بالفعل ولم يصلوا إلى الحكم إلا عبر القتل ولا يتعاملون مع دعاة الإصلاح إلا من خلال لغة القتل بدون قانون أو محاكمة !!.
فأين حكم الشريعة عن القاتل ؟!
ماذا لو سرق الحاكم أو اختلس ؟!
إن هذا يحدث بصورة يومية وروتينية ، فبيت المال كله للحاكم !!
فأين حكم الشريعة عن هذا السارق أو المختلس ؟!
ماذا لو زنى الحاكم أو شرب الخمر ؟!
الكل يعلم أن حياة الترف هي طريق سهل وأكيد نحو ارتكاب المحرمات السلوكية ، وقانون القوة والإكراه يعد أسرع الطرق وأسهلها نحو حياة الترف . ولكن أين حكم الشريعة عن القصور وما يجري فيها ، ومن يستطيع أصلاً أن يتحدث عن وجود مخالفة أو معصية .... أو قصور ينبغي أن تخضع لما تخضع له كل البيوت ؟!
لا شك أن معظم القراء تابعوا أخبار التحقيق مع الرئيس الأمريكي السابق حول علاقته مع مونيكا لوينسكي ، وتابعوا منذ فترة أخبار التحقيق مع توني بلير حول الكذب بشأن أسحة الدمار الشامل العراقية ، ويتابعون الآن أخبار التحقيق مع أرييل شارون حول اتهامات بخرق قانون الانتخابات أثناء حملته الانتخابية ، وقبل ذلك تابعوا أخبار التحقيق مع بنيامين نتنياهو حول قيامه بترميم شقته باستخدام أموال أو تسهيلات حكومية !!!
الذي نود أن نؤكد عليه هو أن الأمر لا يتعلق بمزايا خلقية أو عقلية يتمتع بها كلينتون أو بلير أو شارون أو نتنياهو ، ولا يتعلق بعيوب خلقية أو عقلية لدى حكامنا الذين لا يمكن أن يخضعوا لمثل هذه التحقيقات ، بل الأمر كله متعلق بوجود قانون اختيار السلطة عند الأولين وقانون القوة والإكراه عند الآخرين .... !!!
تقديس الحكام ..... وفواجع أخرى !!!
من النتائج الملازمة لقانون القوة والإكراه تقديس الحكام وأعضاء الطبقة السياسية .
وهذه نتيجة حتمية ملازمة لأسلوب القوة والإكراه في الاستيلاء على الحكم ، سواء عند العرب والمسلمين أو عند العجم والكافرين !!
فلننظر إلى بعض المفارقات التي نبتلعها دون أن نكاد نشعر !!
من يستولي على سوق بالقوة المسلحة قد نعده من المفسدين في الأرض ونطبق عليه حد الحرابة ولا نتعاطف معه وننظر إليه كمجرم لئيم يستحق أقسى وأشد العقوبات ، أما من يستولي على الوطن بالقوة المسلحة فإنه لا ينال منا سوى الاستسلام والتقديس أو في أفضل الحالات السكوت !!
قد يظن البعض أن تقديس الحكام لم يوجد إلا خلال فترات متقطعة من تاريخنا ، بينما الواقع أن هذا التقديس متحقق ومستمر منذ عهد بني أمية إلى لحظتنا الراهنة ، فما عدا بعض الحالات الشاذة والاستثنائية كحالة عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه .
وليس الفضل فينا بل الفضل فيه وفي أمثاله ممن استطاعوا التحرر من أسر سنن الكنيسة السياسية التي عاشوا في ظلها !!
ماذا يعني تقديس الحاكم ؟
إنه يعني أولاً استثناؤه من المحاسبة والمساءلة ، فهو لا يُسأل عما يفعل ، وهذه صفة يختص بها الله تعالى !!
فهل وجد منذ عهد بني أمية حاكم يُسأل عما يفعل ؟!
هل يُسأل لماذا وليت فلان أو لم تول فلان ، ولماذا اتخذت هذا القرار أو لم تتخذ هذا القرار ، وأين مال الناس وفيم أنفقته ، ولماذا تقيم علاقة مع هذه الدولة أو تلك الدولة ..... الخ ؟!
هل وجد منذ عهد بني أمية حاكم قيل له أو يمكن أن يقال له أنت مخطئ ؟!
ربما يظن البعض أن الأمر كان مختلفاً في الأزمان الماضية .
ولذلك فإننا نطالب القارئ الكريم بأن يتصور أنه من سوريا .
هل يستطيع أن يقول لحاكم سوريا أنت مخطئ ؟!
ليتصور أنه تونسي ، فهل يستطيع أن يقول لحاكم تونس أنت مخطئ ؟!
ليصحو من الحلم وليتذكر أنه من هذا البلد ، فهل يستطيع أن يقول للملك أنت مخطئ ؟!
هل يستطيع أن يقول لولي العهد أنت مخطئ ؟!
هل يستطيع أن يقول لوزير الخارجية أو الداخلية أو الدفاع أنت مخطئ ؟! هل يستطيع أن يقول ذلك لأصغر متنفذ ممن ينتمون إلى الأسرة الحاكمة ؟!
هل يُسأل أي من هؤلاء عن قراراتهم وعن أدائهم وعن إنجازاتهم وعن إخفاقاتهم وعن مداخيلهم وعن مصروفاتهم وعن سلوكياتهم مهما صادمت كل شرع وكل عرف ؟!
إنهم لا يُسألون عما يفعلون ، رغم أنهم يديرون كل شؤون الناس ويتحكمون في حاضر الأمة ويرسمون معالم مستقبلها !!
يستطيع الكتاب في الكثير من البلدان العربية أن يسخروا من الله ورسله وكتبه وكل مقدس ، وقد لا يؤدي ذلك إلا إلى تكريمهم والاحتفاء بهم ، أما إن قدح أحدهم في حاكمه ولو بصورة غير مباشرة فإن رجس البابا السياسي وغضبه سيحلان عليه !!.
بل يستطيع كاتب من هذا البلد أن يقول في رواية إن الله والشيطان وجهان لعملة واحدة ، ومع ذلك فإنه لا خوف عليه بل قد تزيد حظوته وترتقي مكانته . وأنا أصدق فعلاً أنه لم يقصد المعنى الحرفي الذي استنتجه البعض ، كما أنني مقتنع بأن الروايات تحتمل ما لا يحتمله الكلام المباشر الصريح .
ورغم ذلك فلنفترض أن الكاتب في هذه الرواية وبنفس القصد النبيل والنظيف قد وضع كلمة الملك بدلاً من الله فصارت الجملة ( الملك والشيطان وجهان لعملة واحدة ) .
بل لنفترض أنه قال الشيطان وولي العهد أو وزير الدفاع أو الداخلية أو الخارجية ...... وجهان لعملة واحدة .
ترى هل كان الأمر سيمر مرور الكرام ويتم الدفاع عنه والتماس الأعذار له ؟!
وأكثر من ذلك لننظر إلى فضيلة المفتي وأعضاء هيئة كبار العلماء وهم يمارسون التقديس من البدء إلى المنتهى !!
فهؤلاء لا يترددون في التصدي لأمور الناس وفي إصدار الفتاوى حول مختلف شؤون حياتهم مهما صغرت ، بل ولا يترددون في الأخذ بالأحوط واختيار أشد الآراء والتفسيرات والمواقف .
وهانحن نشاهدهم في الفترة الحالية يتصدون لمسلسل تلفزيوني مثل طاش ما طاش ويفتي بعضهم بكفر ما جاء في بعض حلقاته ويحذرون الناس منه أشد التحذير !!
الآن ، هؤلاء لن تجد لهم كلمة واحدة في أي شأن من شؤون السياسة أو الحكم أو المناصب أو المال أو الإعلام أو العلاقات الخارجية أو الأمن الداخلي إلا في اتجاه تأييد وتزكية أعمال السلطة !!
إذن ففضيلة المفتي وأعضاء هيئة كبار العلماء يطبقون فعلياً وبشكل كامل ونموذجي فكرة كون الحاكم والمقربين منه فوق المساءلة والمحاسبة والنقد .
وفي ضوء ما أشرنا إليه من أن التقديس يعني في المقام الأول أن يكون الشخص فوق المساءلة والمحاسبة والنقد فإننا نسأل : ترى كم لدينا من المقدسين وفق هذا المعيار ؟!
ليت الأمر يقف عند حدود عدم المساءلة والمحاسبة والنقد ، ولكنه يتعداه إلى التمجيد والتطبيل والمديح المنهمر آناء الليل وأطراف النهار عبر كل المنابر والأدوات والأجهزة ، حتى وإن تعلق الأمر ببعض المهازل والمخازي والفواجع !!
لا سيل غير سيل التمجيد والثناء والإطراء ، حتى وإن كان الجميع أو على الأقل الغالبية يعلمون علم اليقين أن الأمر كله نفاق في نفاق وكذب في كذب ودجل في دجل .
ولكن لا بأس فحكام القوة والإكراه يتمايلون وينتشون لهذا النفاق والكذب والدجل !!. ولا شك أن بُنية الكنيسة السياسية ومعظم سننها تصب في النهاية في خانة تقديس الحاكم .
فالحكم المطلق يؤدي إلى خضوع الجميع بشكل أو بآخر لسلطة الحاكم ، بمن فيهم رجال القضاء ورجال المؤسسة الدينية ورجال الإعلام وغيرهم .
الكل موظفون لدى السلطة ويخشون أبسط المبادرات ويعلمون أن أوضاعهم يمكن أن تنقلب رأساً على عقب بجرة قلم من البابا السياسي أو أحد قساوسته ومطارنته !!
في الماضي كان الشعر أهم أدوات المديح ، ولعل النسبة الغالبة من شعرنا العربي تصب في خدمة هذا الغرض ، رغم أن الجميع يعلمون أن شعر المديح كله نفاق ودجل وارتزاق . حتى المواهب تجند وتسحر في أعمال عبثية لخدمة كنيسة الرعب السياسية !!
في العصر الحديث لم يعد أمر التمجيد والتطبيل والمديح مقصوراً على الشعراء وفقهاء وكتاب البلاط ، فقد ظهرت وسائل الإعلام وأصبح دورها الأساسي هو إعلاء راية التجهيل والتزييف والتمجيد والكذب والنفاق !!
من نتائج قانون القوة والإكراه انتشار الواسطة والمحسوبيات على حساب الكفاءة والنزاهة . وهذا أمر طبيعي . فالناس يشعرون أن الكفاءة غير متوفرة في هرم السلطة ولا في عموم الطبقة السياسية .
يرون حكومات القوة والإكراه تورث الحكم للأبناء وأفراد العائلة وتولي الأقارب والأصهار والموالين من المنتفعين والمطبلين .
فكيف لا يلجأون هم إلى الواسطة ويخدمون الأقارب والأصدقاء ما دامت هذه هي القاعدة المتبعة في شغل أعظم وأخطر المناصب ؟!
من نتائج قانون القوة والإكراه إضعاف الولاء للوطن .
فما دامت حقوقك لا تكاد تتجاوز حقوق النباتات فلم الولاء للوطن ؟!
مادام حديثك عن أحوال الوطن وقضاياه الكبرى ممنوع وقد يودي بك إلى حتفك أو إلى هضم الكثير من حقوقك فلم الولاء للوطن ؟!
بقية الفواجع
من نتائج قانون القوة والإكراه تحقيق درجة أكبر من الأمن ، ولكنه يكون على حساب قتل روح المبادرة وتضييق فرص الإبداع .
إن الأمن الذي يتحقق بفعل قانون القوة والإكراه هو نوع من أمن الخائفين والمرعوبين .
إنه كأمن السجناء في السجن .
أمن مصدره الخوف والرعب .
فالمخاوف تطارد الإنسان إذا أراد أن يتحدث في السياسة أو المناصب أو المال العام أو مختلف شؤون الأمة .
تطارده المخاوف إن رأى شرطياً أو رجل مرور أو رجل سلطة ، لأنه لا يدري ما هي حدود سلطات هؤلاء الرجال !!
يعلم أن عشرات الجهات تستطيع أن تضعه في السجن .
يعلم أنه لا سيادة للنظام إلا على الضعفاء وأن بعض الأشخاص يستطيعون قلب كل شيء رأساً على عقب !!
من أجل ذلك فإن من الطبيعي أن يتحقق قدر أكبر من الأمن .
فالمجتمع مليء بالخوف والرعب وسلبي إلى أقصى الحدود ويتردد حيال الكثير من المبادرات ويخشى الكثير من صور الإبداع !!
إنها حالة السكون والخمول الحضاري .
حالة المرضى حضارياً وأشباه الموتى حضارياً ، فهم دوماً الأقل أخطاء لأنهم الأقل فعلاً وتأثيراً وإبداعاً وقدرة وإنجازاً !!!
من نتائج قانون القوة والإكراه شيوع منطق الغنيمة في النظرة إلى الوطن والمال العام .
الكل ينظر إلى الوطن كبقرة حلوب من البابا السياسي إلى أصغر رعايا الكنيسة السياسية .
فمادام تم الاستيلاء على الوطن بالقوة المسلحة فهو غنيمة !!
المناصب غنيمة .
والمال العام غنيمة .
والثروات غنيمة .
ولننظر إلى أحوالنا فهي تقدم صورة نموذجية لهذه العقلية المرضية .
فالحكام هم أكثر المستفيدين من صلاح أحوال البلد وأكثر المتضررين من انهياره .
هذا ما يمليه المنطق السليم ، ولكن منطق الغنيمة يملي سلوكاً مختلفاً .
فهؤلاء الحكام يتنافسون في نهب المال العام وفي الاستيلاء على الأراضي على حساب عامة الناس وفي تبديد الثروات حتى وصلت ديوننا ونحن أغنى دولة نفطية وبشعب محدود العدد إلى ما يزيد عن سبعمائة مليار ريال !!
ورغم هذه الديون الهائلة والأوضاع المتردية لعموم الناس ونسبة البطالة التي تصل إلى الثلث فإن المتنفذين لدينا يستثمرون في الخارج وفي بلاد تفرض عليهم ضرائب عالية ومتنوعة أكثر من ثمانمائة مليار دولار !!
إنها عقلية الغنيمة .
فالوطن ليس سوى بقرة حلوب من الواجب امتصاصها حتى آخر قطرة !!
وإذا كانت هذه هي الأحوال عند أكثر المستفيدين من صلاح الأوضاع وأكثر المتضررين من فسادها فما بالك ببقية الناس ؟!
لهذا ليس مستغرباً أن يتم ابتكار كل الوسائل لنهب المال العام ، فالانتدابات وخارج الدوام معظمها كذب ودجل ، وخصخصة بعض المشروعات بهدف تحسين دخلها وأدائها تتحول إلى نهب هائل للمال ، مثلما حدث في الماضي في سمارك ويحدث الآن في شركة الاتصالات وسيحدث مستقبلاً في أي مشروع يتم تخصيصه ورفع بعض القيود عنه .
إنها عقلية الغنيمة ومنطق الغنيمة !!
من نتائج قانون القوة والإكراه صعوبة تحقيق التقارب والوحدة .
الشعوب لو خيرت فقد تختار التقارب والوحدة ، ولكن أين هو البابا السياسي الذي يمكن أن يتخلى عن كنيسته السياسية وعن كل المغانم والكراسي والخزائن أو يقبل التقليل من صلاحياته والانزواء إلى الظل خلف حاكم دولة أخرى من أجل قضية التقارب والوحدة !!
هذا شيء لا يجيده بابوات السياسة ممن وصلوا إلى الحكم عن طريق القوة والإكراه .
هؤلاء إن كانوا إخوة فإنهم قد يجيدون عزل وطرد إخوتهم من أجل السيطرة على الحكم دون منازع .
إن كانوا أبناء فإنهم قد يجيدون قتل أو سجن أو عزل آبائهم من أجل الانفراد بالسلطة .
فهل يريد أحد من هؤلاء الذين يضحون بإخوتهم وآبائهم من أجل الانفراد بالحكم أن يقدموا بعض التضحيات من أجل الأمة ؟!
الأمة هي المطالبة بتقديم التضحيات من أجلهم ، فهم بابوات لا يخطئون ولا يُسألون عما يعملون !!
من نتائج قانون القوة والإكراه سرعة الوقوع في الترف والملذات والفساد الخلقي . فبعد الاستيلاء على الحكم بالقوة المسلحة والاستيلاء على الخزائن والثروات بالقوة المسلحة ، وبعد أن يكون الحكام قد أصبحوا فوق المساءلة والمحاسبة والنقد وأصبحوا لا ينالون سوى سيلاً منهمراً من التمجيد والتطبيل ، فإن النتيجة الطبيعية والحتمية والمنطقية هي الوقوع في الترف والملذات وحياة القصور والملاهي !!
المال موجود بلا حدود وهموم الحياة اليومية غير موجودة وسيف المحاسبة والمساءلة معطل ومكسور ولا حق لأحد أن يسأل عن القصور وعما في القصور وعمن يأتي إليها أو يخرج منها فكيف لا تشتعل وتعلو حياة اللهو والصخب والملذات والموبقات الخلقية ؟!
هذه قصة متكررة حدثت منذ عهد بني أمية ، وتحققت بسرعة البرق بفعل العوامل التي أشرنا إليها ، ولا زالت تتحقق وستظل تتحقق طالما لا يوجد لا حسيب ولا رقيب لا على المال ولا على العمل ولا على السلوك .
ولا تسأل أين حكم الشريعة من كل هذا ، فمادام اختيار الحكام ومحاسبتهم ومساءلتهم معطلاً فإن أحكام الشريعة ستبقى معطلة عند أصحاب القوة والإكراه !!
طبعاً معظم القراء تابعوا أخبار قصة الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون مع مونيكا لوينسكي ، ولعل بعضهم شعر بالتقزز من تلك القصة .
إلا أن ما يستحق أن يكون واضحاً هو أن أفعال الرئيس الأمريكي ليست جريمة بموجب القانون الأمريكي وليست شيئاً معيباً من منظور الثقافة السائدة ولا تصادم سلوكيات غالبية الأمريكيين ، ربما إلا من زاوية كون الرئيس رجلاً متزوجاً .
أهم ما جعل القصة غير مقبولة ليس ورع وتقوى الأمريكيين ولا حرصهم على مشاعر زوجة الرئيس ، بل هو قانون الرضا والاختيار في الوصول إلى الحكام .
فمادام أمر الحاكم بيد الناس فإنهم يحرصون من أجل تحقيق مصالحهم على اختيار أفضل الناس لإدارة شؤونهم .
هذا ما يقود إليه قانون الرضا والاختيار .
أما قانون القوة والإكراه فإنه يقول إن ما حدث من الرئيس الأمريكي السابق لا يكاد يعادل نقطة في بحر ما يفعله الكثير من المتنفذين العرب والمسلمين منذ عهد بني أمية إلى وقتنا الحاضر دون أن يكون في استطاعة أحد الحديث عن مخازيهم أو مساءلتهم أو محاسبتهم أو إيقاف سيل تمجيدهم وتقديسهم !!
إن كل السنن المهلكة وكل الفواجع والكوارث التي عرضناها ليست إلا نتيجة طبيعية وحتمية من نتائج قانون القوة والإكراه في الوصول إلى الحكم . فماذا تقول الثقافة السائدة حول هذا القانون ؟؟
لقد نجحت الكنيسة السياسية في إنتاج ثقافة تخوف الناس من تغيير هذا القانون بحجة المصلحة والخوف من الفتنة ووجوب الصبر على الظالمين ، وكأن المسألة تقف عند حدود الظلم !!
نجحت في حجب وتهوين كل هذه المخازي والفضائع بتخويف الناس من الدستور والانتخابات بحجة أن دستورنا هو كتاب الله !!
وأيم الله أن الامتثال المخلص لكتاب الله ولسنة رسوله ولسيرة الخلفاء الراشدين يقضي بإقرار قانون الرضا والاختيار في الوصول إلى الحكم ونسف كل هذه المخازي والفضائع من جذورها .
نعم هناك مصلحة وهناك فتنة ويجب الصبر على الظالمين إذا كنا سنستبدل حاكماً قاهراً بآخر مثله دون أن نغير قانون القوة والإكراه .
فالدماء التي ستسيل ستذهب هدراً وسيكرر القاهر الجديد ذات القصة لأن القانون لم يتغير .
أما إذا كنا سنستبدل قانون القوة والإكراه في الوصول إلى الحكم بقانون الرضا والاختيار فإن المصلحة كل المصلحة في التدافع نحو التغيير والفتنة كل الفتنة في بقاء قانون القوة والإكراه والحياة كل الحياة في شيوع قانون الرضا والاختيار .
كيف السبيل إلى شيوع ذلك القانون ؟؟
إنه الوعي حين يتعاظم ويزداد ويتراكم حول هذا القانون وفضائله وحول قانون القوة والإكراه ورذائله .
حين يحدث ذلك ويتحول هذا الوعي إلى تيار واسع يسري في المجتمع فإن التغيير سيحدث ، وقد تعهد الله أن يغير ما بنا إذا غيرنا ما بأنفسنا .
الكاتب / زائر الوسطية