ابن سـنيّن
12/06/2006 - June 12th, 02:50 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله الرحمن الرحيم
فــتنة التكــفير
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه
للشيخ المحدث العلامة : محمد ناصر الدين الألباني - رحمه الله
تقريظ سماحة الشيخ العلامة : عبد العزيز بن باز - رحمه الله
تعليق الشيخ العلامة : محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله
كلمة العلامة الألباني رحمة الله في مسألة التكفير
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله
أما بعد :
فإن مسألة التكفير عموما - لا للحكام فقط بل وللمحكومين أيضا - هي فتنة عظيمة قديمة تبنتها فرقة من الفرق الإسلامية القديمة وهي المعروفة ( بالخوارج )
ومع الأسف الشديد فإن البعض من الدعاة أو المتحمسين قد يقع في الخروج عن الكتاب والسنة ولكن باسم الكتاب والسنة والسبب في هذا يعود إلى أمرين اثنين :
أحدهما هو : ضحالة العلم
والأمر الآخر - وهو مهم جدا - : أنهم لم يتفقهوا بالقواعد الشرعية والتي هي أساس الدعوة الإسلامية الصحيحة التي يعد كل من خرج عنها من تلك الفرق المنحرفة عن الجماعة التي أثنى عليها رسول الله صلى الله عليه و سلم في غير ما حديث بل والتي ذكرها ربنا عز وجل وبين أن من خرج عنها يكون قد شاق الله ورسوله وذلك في قوله عز وجل : { وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرا ً{115-- سورة النساء. فإن الله - لأمر واضح عند أهل العلم - لم يقتصر على قوله { وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى. . . نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى. . . -- وإنما أضاف إلى مشاقة الرسول اتباع غير سبيل المؤمنين فقال : { وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرا ً{115-- سورة النساء.
فاتباع سبيل المؤمنين أو عدم اتباع سبيلهم أمر هام جدا إيجابا وسلبا فمن اتبع سبيل المؤمنين : فهو الناجي عند رب العالمين ومن خالف سبيل المؤمنين : فحسبه جهنم وبئس المصير
من هنا ضلت طوائف كثيرة جدا - قديما وحديثا - لأنهم لم يكتفوا بعدم التزام سبيل المؤمنين فحسب ولكن ركبوا عقولهم واتبعوا أهواءهم في تفسير الكتاب والسنة ثم بنوا على ذلك نتائج خطيرة جدا خرجوا بها عما كان عليه سلفنا الصالح رضوان الله تعالى عليهم جميعا
وهذه الفقرة من الآية الكريمة : { وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ -- أكدها عليه الصلاة والسلام تأكيدا بالغا في غير ما حديث نبوي صحيح
وهذه الأحاديث - التي سأورد بعضا منها - ليست مجهولة عند عامة المسلمين - فضلا عن خاصتهم - لكن المجهول فيها هو أنها تدل على ضرورة التزام سبيل المؤمنين في فهم الكتاب والسنة ووجوب ذلك وتأكيده، وهذه النقطة يسهو عنها - ويغفل عن ضرورتها ولزومها - كثير من الخاصة فضلا عن هؤلاء الذين عرفوا ( بجماعة التكفير ) أو بعض أنواع الجماعات التي تنسب نفسها للجهاد وهي في حقيقتها من فلول التكفير
فهؤلاء - وأولئك - قد يكونون في دواخل أ نفسهم صالحين ومخلصين ولكن هذا وحده غير كاف ليكون صاحبه عند الله عز وجل من الناجين المفلحين إذ لابد للمسلم أن يجمع بين أمرين اثنين : صدق الإخلاص في النية لله عز وجل
وحسن الاتباع لما كان عليه النبي صلى الله عليه و سلم.
فلا يكفي - إذا - أن يكون المسلم مخلصا وجادا فيما هو في صدده من العمل بالكتاب والسنة والدعوة إليهما بل لا بد - بالإضافة إلى ذلك - من أن يكون منهجه منهجا سويا سليما وصحيحا مستقيما ولا يتم ذلك على وجهه إلا باتباع ما كان عليه سلف الأمة الصالحون رضوان الله تعالى عليهم أجمعين
فمن الأحاديث المعروفة الثابتة التي تؤصل ما ذكرت - وقد أشرت إليها آنفا - حديث الفرق الثلاث والسبعين ألا وهو قوله عليه الصلاة والسلام : (( افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة )) قالوا : من هي يا رسول الله ؟ قال : (( الجماعة )) وفي رواية : (( ما أنا عليه وأصحابي )).
فنجد أن جواب النبي صلى الله عليه و سلم يلتقي تماما مع الآية السابقة : { وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ -- فأول ما يدخل في عموم الآية هم أصحاب الرسول صلى الله عليه و سلم، إذ لم يكتف الرسول صلى الله عليه و سلم في هذا الحديث بقوله : (( ما أنا عليه . . . )) - مع أن ذلك قد يكون كافيا في الواقع للمسلم الذي يفهم حقا الكتاب والسنة - ولكنه عليه الصلاة والسلام يطبق تطبيقا عمليا قوله سبحانه وتعالى في حقه صلى الله عليه و سلم أنه : { بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ {128-- سورة التوبة.
فمن تمام رأفته وكمال رحمته بأصحابه وأتباعه أن أوضح لهم صلوات الله وسلامه عليه أن علامة الفرقة الناجية : أن يكون أبناؤها وأصحابها على ما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام وعلى ما كان عليه أصحابه من بعده، وعليه فلا يجوز أن يقتصر المسلمون عامة والدعاة خاصة في فهم الكتاب والسنة على الوسائل المعروفة للفهم كمعرفة اللغة العربية والناسخ والمنسوخ وغير ذلك بل لا بد من أن يرجع قبل ذلك كله إلى ما كان عليه أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم لأنهم - كما تبين من آثارهم ومن سيرتهم - أنهم كانوا أخلص لله عز وجل في العبادة وأفقه منا في الكتاب والسنة إلى غير ذلك من الخصال الحميدة التي تخلقوا بها وتأدبوا بآدابها.
ويشبه هذا الحديث تماما - من حيث ثمرته وفائدته - حديث الخلفاء الراشدين المروي في السنن من حديث العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه قال : وعظنا رسول الله صلى الله عليه و سلم موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون فقلنا : كأنها موعظة مودع فأوصنا يا رسول الله قال : (( أوصيكم بالسمع والطاعة وإن ولي عليكم عبد حبشي وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ . . . )) والشاهد من هذا الحديث هو معنى جوابه على السؤال السابق إذ حض صلى الله عليه و سلم أمته في أشخاص أصحابه أن يتمسكوا بسنته ثم لم يقتصر على ذلك بل قال : (( وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي )) فلا بد لنا - والحالة هذه - من أن ندندن دائما وأبدا حول هذا الأصل الأصيل إذا أردنا أن نفهم عقيدتنا وأن نفهم عبادتنا وأن نفهم أخلاقنا وسلوكنا ولا محيد عن العودة إلى منهج سلفنا الصالح لفهم كل هذه القضايا الضرورية للمسلم حتى يتحقق فيه - صدقا - أنه من الفرقة الناجية
ومن هنا ضلت طوائف قديمة وحديثة حين لم يتنبهوا إلى مدلول الآية السابقة وإلى مغزى حديث سنة الخلفاء الراشدين وكذا حديث افتراق الأمة فكان أمرا طبيعيا جدا أن ينحرفوا كما انحرف من سبقهم عن كتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه و سلم ومنهج السلف الصالح.
ومن هؤلاء المنحرفين : الخوارج قدماء ومحدثين
فأن أصل فتنة التكفير في هذا الزمان - بل منذ أزمان - هو آية يدندنون دائما حولها ألا وهي قوله تعالى : { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ{44-- سورة المائدة، فيأخذونها من غير فهوم عميقة ويوردونها بلا معرفة دقيقة، ونحن نعلم أن هذه الآية الكريمة قد تكررت وجاءت خاتمتها بألفاظ ثلاثة وهي : { فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ{44-- ، { فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ{45-- ، { فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ{47-- سورة المائدة.
فمن تمام جهل الذين يحتجون بهذه الآية باللفظ الأول منها فقط : { فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ -- : أنهم لم يلموا على الأقل ببعض النصوص الشرعية - قرآنا أم سنة - التي جاء فيها ذكر لفظة ( الكفر ) فأخذوها - بغير نظر - على أنها تعني الخروج من الدين وأنه لا فرق بين هذا الذي وقع في الكفر وبين أولئك المشركين من اليهود والنصارى وأصحاب الملل الأخرى الخارجة عن ملة الإسلام. بينما لفظة الكفر في لغة الكتاب والسنة لا تعني - دائما - هذا الذي يدندنون حوله ويسلطون هذا الفهم الخاطئ المغلوط عليه فشأن لفظة { الْكَافِرُونَ -- - من حيث إنها لا تدل على معنى واحد - هو ذاته شأن اللفظين الآخرين : { الظَّالِمُونَ -- و { الْفَاسِقُونَ -- فكما أن من وصف أنه ظالم أو فاسق لا يلزم بالضرورة ارتداده عن دينه فكذلك من وصف بأنه كافر سواء بسواء
وهذا التنوع في معنى اللفظ الواحد هو الذي تدل عليه اللغة ثم الشرع الذي جاء بلغة العرب - لغة القرآن الكريم، فمن أجل ذلك كان الواجب على كل من يتصدى لإصدار الأحكام على المسلمين - سواء كانوا حكاما أم محكومين - أن يكون على علم واسع بالكتاب والسنة وعلى ضوء منهج السلف الصالح والكتاب والسنة لا يمكن فهمهما - وكذلك ما تفرع عنهما - ألا بطريق معرفة اللغة العربية وآدابها معرفة دقيقة، فإن كان لدى طالب العلم نقص في معرفة اللغة العربية فإن مما يساعده في استدراك ذلك النقص الرجوع إلى فهم من قبله من الأئمة والعلماء وبخاصة أهل القرون الثلاثة المشهود لهم بالخيرية.
بسم الله الرحمن الرحيم
فــتنة التكــفير
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه
للشيخ المحدث العلامة : محمد ناصر الدين الألباني - رحمه الله
تقريظ سماحة الشيخ العلامة : عبد العزيز بن باز - رحمه الله
تعليق الشيخ العلامة : محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله
كلمة العلامة الألباني رحمة الله في مسألة التكفير
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله
أما بعد :
فإن مسألة التكفير عموما - لا للحكام فقط بل وللمحكومين أيضا - هي فتنة عظيمة قديمة تبنتها فرقة من الفرق الإسلامية القديمة وهي المعروفة ( بالخوارج )
ومع الأسف الشديد فإن البعض من الدعاة أو المتحمسين قد يقع في الخروج عن الكتاب والسنة ولكن باسم الكتاب والسنة والسبب في هذا يعود إلى أمرين اثنين :
أحدهما هو : ضحالة العلم
والأمر الآخر - وهو مهم جدا - : أنهم لم يتفقهوا بالقواعد الشرعية والتي هي أساس الدعوة الإسلامية الصحيحة التي يعد كل من خرج عنها من تلك الفرق المنحرفة عن الجماعة التي أثنى عليها رسول الله صلى الله عليه و سلم في غير ما حديث بل والتي ذكرها ربنا عز وجل وبين أن من خرج عنها يكون قد شاق الله ورسوله وذلك في قوله عز وجل : { وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرا ً{115-- سورة النساء. فإن الله - لأمر واضح عند أهل العلم - لم يقتصر على قوله { وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى. . . نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى. . . -- وإنما أضاف إلى مشاقة الرسول اتباع غير سبيل المؤمنين فقال : { وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرا ً{115-- سورة النساء.
فاتباع سبيل المؤمنين أو عدم اتباع سبيلهم أمر هام جدا إيجابا وسلبا فمن اتبع سبيل المؤمنين : فهو الناجي عند رب العالمين ومن خالف سبيل المؤمنين : فحسبه جهنم وبئس المصير
من هنا ضلت طوائف كثيرة جدا - قديما وحديثا - لأنهم لم يكتفوا بعدم التزام سبيل المؤمنين فحسب ولكن ركبوا عقولهم واتبعوا أهواءهم في تفسير الكتاب والسنة ثم بنوا على ذلك نتائج خطيرة جدا خرجوا بها عما كان عليه سلفنا الصالح رضوان الله تعالى عليهم جميعا
وهذه الفقرة من الآية الكريمة : { وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ -- أكدها عليه الصلاة والسلام تأكيدا بالغا في غير ما حديث نبوي صحيح
وهذه الأحاديث - التي سأورد بعضا منها - ليست مجهولة عند عامة المسلمين - فضلا عن خاصتهم - لكن المجهول فيها هو أنها تدل على ضرورة التزام سبيل المؤمنين في فهم الكتاب والسنة ووجوب ذلك وتأكيده، وهذه النقطة يسهو عنها - ويغفل عن ضرورتها ولزومها - كثير من الخاصة فضلا عن هؤلاء الذين عرفوا ( بجماعة التكفير ) أو بعض أنواع الجماعات التي تنسب نفسها للجهاد وهي في حقيقتها من فلول التكفير
فهؤلاء - وأولئك - قد يكونون في دواخل أ نفسهم صالحين ومخلصين ولكن هذا وحده غير كاف ليكون صاحبه عند الله عز وجل من الناجين المفلحين إذ لابد للمسلم أن يجمع بين أمرين اثنين : صدق الإخلاص في النية لله عز وجل
وحسن الاتباع لما كان عليه النبي صلى الله عليه و سلم.
فلا يكفي - إذا - أن يكون المسلم مخلصا وجادا فيما هو في صدده من العمل بالكتاب والسنة والدعوة إليهما بل لا بد - بالإضافة إلى ذلك - من أن يكون منهجه منهجا سويا سليما وصحيحا مستقيما ولا يتم ذلك على وجهه إلا باتباع ما كان عليه سلف الأمة الصالحون رضوان الله تعالى عليهم أجمعين
فمن الأحاديث المعروفة الثابتة التي تؤصل ما ذكرت - وقد أشرت إليها آنفا - حديث الفرق الثلاث والسبعين ألا وهو قوله عليه الصلاة والسلام : (( افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة )) قالوا : من هي يا رسول الله ؟ قال : (( الجماعة )) وفي رواية : (( ما أنا عليه وأصحابي )).
فنجد أن جواب النبي صلى الله عليه و سلم يلتقي تماما مع الآية السابقة : { وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ -- فأول ما يدخل في عموم الآية هم أصحاب الرسول صلى الله عليه و سلم، إذ لم يكتف الرسول صلى الله عليه و سلم في هذا الحديث بقوله : (( ما أنا عليه . . . )) - مع أن ذلك قد يكون كافيا في الواقع للمسلم الذي يفهم حقا الكتاب والسنة - ولكنه عليه الصلاة والسلام يطبق تطبيقا عمليا قوله سبحانه وتعالى في حقه صلى الله عليه و سلم أنه : { بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ {128-- سورة التوبة.
فمن تمام رأفته وكمال رحمته بأصحابه وأتباعه أن أوضح لهم صلوات الله وسلامه عليه أن علامة الفرقة الناجية : أن يكون أبناؤها وأصحابها على ما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام وعلى ما كان عليه أصحابه من بعده، وعليه فلا يجوز أن يقتصر المسلمون عامة والدعاة خاصة في فهم الكتاب والسنة على الوسائل المعروفة للفهم كمعرفة اللغة العربية والناسخ والمنسوخ وغير ذلك بل لا بد من أن يرجع قبل ذلك كله إلى ما كان عليه أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم لأنهم - كما تبين من آثارهم ومن سيرتهم - أنهم كانوا أخلص لله عز وجل في العبادة وأفقه منا في الكتاب والسنة إلى غير ذلك من الخصال الحميدة التي تخلقوا بها وتأدبوا بآدابها.
ويشبه هذا الحديث تماما - من حيث ثمرته وفائدته - حديث الخلفاء الراشدين المروي في السنن من حديث العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه قال : وعظنا رسول الله صلى الله عليه و سلم موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون فقلنا : كأنها موعظة مودع فأوصنا يا رسول الله قال : (( أوصيكم بالسمع والطاعة وإن ولي عليكم عبد حبشي وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ . . . )) والشاهد من هذا الحديث هو معنى جوابه على السؤال السابق إذ حض صلى الله عليه و سلم أمته في أشخاص أصحابه أن يتمسكوا بسنته ثم لم يقتصر على ذلك بل قال : (( وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي )) فلا بد لنا - والحالة هذه - من أن ندندن دائما وأبدا حول هذا الأصل الأصيل إذا أردنا أن نفهم عقيدتنا وأن نفهم عبادتنا وأن نفهم أخلاقنا وسلوكنا ولا محيد عن العودة إلى منهج سلفنا الصالح لفهم كل هذه القضايا الضرورية للمسلم حتى يتحقق فيه - صدقا - أنه من الفرقة الناجية
ومن هنا ضلت طوائف قديمة وحديثة حين لم يتنبهوا إلى مدلول الآية السابقة وإلى مغزى حديث سنة الخلفاء الراشدين وكذا حديث افتراق الأمة فكان أمرا طبيعيا جدا أن ينحرفوا كما انحرف من سبقهم عن كتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه و سلم ومنهج السلف الصالح.
ومن هؤلاء المنحرفين : الخوارج قدماء ومحدثين
فأن أصل فتنة التكفير في هذا الزمان - بل منذ أزمان - هو آية يدندنون دائما حولها ألا وهي قوله تعالى : { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ{44-- سورة المائدة، فيأخذونها من غير فهوم عميقة ويوردونها بلا معرفة دقيقة، ونحن نعلم أن هذه الآية الكريمة قد تكررت وجاءت خاتمتها بألفاظ ثلاثة وهي : { فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ{44-- ، { فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ{45-- ، { فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ{47-- سورة المائدة.
فمن تمام جهل الذين يحتجون بهذه الآية باللفظ الأول منها فقط : { فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ -- : أنهم لم يلموا على الأقل ببعض النصوص الشرعية - قرآنا أم سنة - التي جاء فيها ذكر لفظة ( الكفر ) فأخذوها - بغير نظر - على أنها تعني الخروج من الدين وأنه لا فرق بين هذا الذي وقع في الكفر وبين أولئك المشركين من اليهود والنصارى وأصحاب الملل الأخرى الخارجة عن ملة الإسلام. بينما لفظة الكفر في لغة الكتاب والسنة لا تعني - دائما - هذا الذي يدندنون حوله ويسلطون هذا الفهم الخاطئ المغلوط عليه فشأن لفظة { الْكَافِرُونَ -- - من حيث إنها لا تدل على معنى واحد - هو ذاته شأن اللفظين الآخرين : { الظَّالِمُونَ -- و { الْفَاسِقُونَ -- فكما أن من وصف أنه ظالم أو فاسق لا يلزم بالضرورة ارتداده عن دينه فكذلك من وصف بأنه كافر سواء بسواء
وهذا التنوع في معنى اللفظ الواحد هو الذي تدل عليه اللغة ثم الشرع الذي جاء بلغة العرب - لغة القرآن الكريم، فمن أجل ذلك كان الواجب على كل من يتصدى لإصدار الأحكام على المسلمين - سواء كانوا حكاما أم محكومين - أن يكون على علم واسع بالكتاب والسنة وعلى ضوء منهج السلف الصالح والكتاب والسنة لا يمكن فهمهما - وكذلك ما تفرع عنهما - ألا بطريق معرفة اللغة العربية وآدابها معرفة دقيقة، فإن كان لدى طالب العلم نقص في معرفة اللغة العربية فإن مما يساعده في استدراك ذلك النقص الرجوع إلى فهم من قبله من الأئمة والعلماء وبخاصة أهل القرون الثلاثة المشهود لهم بالخيرية.