الشيخ سلمان متابعات وحوارات أخبار ومتابعات
د. سلمان العودة: التعلق بالأماني نوع من الفرار من الواقع
الكاتب: أيمن بريك
الاثنين 23 رجب 1431الموافق 05 يوليو 2010
أكد فضيلة الشيخ الدكتور سلمان بن فهد العودة ـ المشرف العام على مؤسسة "الإسلام اليوم" ـ أن الأماني قد تكون في بعض الأحيان فرارًا من الواقع، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الشباب تعلقت أمانيهم بالأشياء المادية.
وقال الشيخ سلمان ـ في حلقة أمس الجمعة من برنامج "الحياة كلمة"، والذي يبث على فضائية mbc ، والتي جاءت تحت عنوان "أمنية" ـ: إن الإنسان عندما يتمنى أشياء غير واقعية، فإن هذا معناه أنه غير قادر على التكيف مع واقعه، أو استيعاب هذا الواقع وتقبله، ولذلك فهو يفر منه إلى عالم الخيال والأمنيات، مشيرًا إلى أن الأمنية في هذه الحالة تصنع انفصامًا بين الإنسان وبين الواقع الذي يعيشه.
انفصال عن الواقع
وأضاف الدكتور العودة أن الأماني إذا انفصلت عن الواقع تكون سيئة لأنها تعبير عن عدم تكيّف، وعدم القدرة على المواجهة والمقاومة، لافتًا إلى أن جماليات الحياة أحيانًا تكمن في الصبر، والتضحية، والمواجهة، والتحدي الذي يواجهه الإنسان ويصبر عليه حتى لو كان صغيرًا، فإنه في النهاية سينتصر عليه أو يحقق قدرًا من التوازن أو يتكيف معه على الأقل.
ولفت فضيلته الانتباه إلى أن الكثير من الشباب تعلقت أمنياتهم بالأشياء المادية، فإذا شاهد سيارة فارهة تمنى أن يكون له مثلها، متسائلًا: ما الذي يدريك أن هذه السيارة قد يكون حتفك فيها، فكم من إنسان مات أو احترق أو أصيب بشلل بهذه السيارة الفخمة الفارهة!، أو ترى فتاة قصرًا مشيدًا فتتمنى أن يكون هذا القصر لها، فهذا شيء جميل كمبدأ لا تعاب عليه، ولكن على هذه الإنسانة أن تدرك أنه ربما تكون ساكنة هذا القصر لا تشعر بالسعادة لأنها تعيش حالة من الفراق أو الاكتئاب أو الهجر أو البعد أو المشاكل التي تحول بينها وبين السعادة.
اعتدال في التمني
وأوضح الشيخ سلمان أن الله -سبحانه وتعالى- عندما ذكر قصة قارون: (قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ)(القصص: من الآية79)، قال في النهاية -: (وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) (القصص:82).
وتابع فضيلته أن الإنسان عليه إذا نظر إلى هذه الأشياء أن يبارك لأصحابها، وأن يدعو لهم، وألا يكون عنده حسد لهم، وإنما يغبطهم ويدعو لهم ويبرّك عليهم، وتكون أمنيته بحد الاعتدال، وكما قيل: "رغيف خبز يابس تأكله في زاوية وكوب ماء بارد تشربه في عافية أحلى من الحياة في ظل القصور العالية".
وذكر الدكتور العودة أن الأصل أن السعادة محلها القلب والتلفّظ بها سنة، وعلى ذلك فإنه يحسن أن يقول الإنسان أنا سعيد، أو أنا مبسوط، مشيرًا إلى أن هذا من التحدث بنعمة الله، يقول تعالى: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) (الضحى:11).
وتابع فضيلته: ولذلك يمكن أن توجد السعادة في القصر وفي المكان الفخم وفي الوظيفة العالية ومع المال وأيضًا تمامًا يمكن أن توجد السعادة مع الفقر ومع البساطة ومع البذاذة لأن القصة هنا تعتمد على الرضا.
الحلم.. والتمني
وفيما يتعلق بالفرق بين الأمنية والحُلم، قال الشيخ سلمان: بينهما تداخل، ولكن الحلم هو شيء يتمناه الإنسان، وعلى سبيل المثال، فقد كان حلم "مارتن لوثر" أن يكون أولاده الأربعة السود يعيشون في مجتمع لا يحكم على الناس من خلال ألوانهم وإنما من خلال أدائهم، لكن الطموح هو طموح الشخص نحو شيء معين، مثل أن يكون هذا الشخص في رتبة ويطمح إلى ما فوقها أو ما يسمى بـ "التوق" وهو أن يكون الإنسان يتوق إلى شيء ما.
وأضاف فضيلته: لقد كان عمر بن عبد العزيز يقول: "إن لي نفسًا تواقة"، أي تطمح إلى ما هو أعلى، فإذا حصل على شيء طمح إلى ما هو فوقه، وهو طموح منطقي ومعقول، أما الأمنية فيبدو أنها أوسع من ذلك، لأنها قد تكون غالبًا لشيء ليس في مقدور الإنسان ولكنه مجرد تمني إما أن يكون الشيء بعيدًا وإما أن يكون شيئًا أصلًا غير ممكن، بل محال:
أتمنى على الزمان محالا....أن ترى مقلتاي طلعة حر!
وعلى ذلك فإن التمني غالبًا يكون بشيء شديد البُعد أو يكون شيئًا أقرب ما يكون من المحال، كما أنه قد يكون لأشياء مذمومة أيضًا، مثلما تجد في القرآن الكريم من نقد تمني الناس لبعض الأشياء التي هي محل الذم والعيب والنقد، ولكن الناس ينظرون إليها فيتمنونها لأنهم يعتقدون أن صاحبها محظوظ.
التمني في القرآن
وتعقيبًا على مداخلة تقول: لقد وردت في القرآن لفظة أمنية أو أماني أو يمنّيهم، لكنها كثيرًا ما ارتبطت بحالات سلبية أو بالشيطان، قال الشيخ سلمان: إن أمنيات جمع أمنية، وقد وردت في القرآن الكريم أربع مرات، يقول تعالى: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ)(البقرة: من الآية78)، ويقول أيضًا: (تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ)(البقرة: من الآية111)، وأما الفعل فقوله تعالى: (إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ)(الحج: من الآية52).
وأضاف فضيلته: كما وردت من الناحية اللغوية بصيغة الأفعال بشكل كبير جدًا في القرآن الكريم: (وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ)(النساء: من الآية32)، (وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ)(القصص: من الآية82).
أنواع التمني
وأردف الدكتور العودة: إلى غير ذلك من الألفاظ والمصطلحات القرآنية والتي من خلالها كثيرًا ما يكون الملاحظة أن التمني أنواع، منها:
1 ـ تمني الإنسان لشيء غير محمود: مثل ما ذكره الله -سبحانه وتعالى- في قصة قارون: (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (القصص:79).
2 ـ تمني الأشياء التي ربما تكون غير مقدور عليها: وذلك كما في قوله -سبحانه وتعالى-: (وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ)(النساء: من الآية32).
3 ـ التمني المذموم: وهذا معنى مهم جدًا، وهو التمني الذي هو مجرد كلمة وعلى سبيل المثال، فلقد وجدت في اجتماع اتحاد العلماء أن عددًا من الإخوة المداخلين أول ما يتكلمون يقولون: "كنت أتمنى" ثم يأتي بشيء أسهل ما يكون أن يقوله الإنسان، لكن دائمًا تنفيذ الأشياء الجميلة ليس بسهولة الحديث عنها.
عقبات.. وموانع
وذكر الشيخ سلمان أن هناك الكثير من العقبات والموانع والصعوبات التي تحول دون التنفيذ، فالقرآن الكريم يعيب على أولئك الناس الذين تكون الأماني عندهم هي مجرد كلمات يقولونها على ألسنتهم دون أن يكون لها نصيب من العمل أو التنفيذ أو أن يكون لهم خارطة طريق في الوصول إلى تلك الأماني، أو أن تكون هذه الأماني هي عبارة عن ادعاءات جوفاء مثلما ذكر الله -سبحانه وتعالى- عن اليهود: (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ)(البقرة: من الآية111)، فأمانيهم أن الجنة لا يدخلها إلا هم ادعاء وهذا ليس خاصًا باليهود.
وتابع فضيلته: ولذلك أكد الله -سبحانه وتعالى- على هذا المعنى وقال: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ)(النساء: من الآية123) ؛ ولهذا قال بعدها: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ)(النساء: من الآية123)، مشيرًا إلى أن الأمر مرتبط بالعمل وليس بالانتساب، فالأرض أو القبيلة لا تقدس أحدًا وإنما يُقدس الإنسان عمله.
الأمنية.. والخيال
وردًّا على سؤال، يقول: ماذا عن ربط الأمنية بالخيال؟ قال الشيخ سلمان: إنه لابد للإنسان من أمنية جميلة، ولكننا يجب أن نفرق بين الأمنية المحمودة والأمنية المذمومة، فالغالب أن الأماني كما يقال: "الأماني رأس أموال المفاليس"، وأحيانًا تقول: إن الأماني جميلة، وكما يقول الشاعر:
أَمانِيُّ مِن سُعدى عِذابٌ كَأَنَّما سَقَتنا بِها سُعدى عَلى ظَمَإٍ بَردا
مُنىً إِن تَكُن حَقًّا تَكُن أَحسَنَ المُنى وَإِلّا فَقَد عِشنا بِها زَمَنًا رَغدا
وأضاف فضيلته أن هناك أمنيات جميلة وواقعية يعيش الإنسان عليها ويحلم بها ويتمناها ويسعى إلى الوصول إليها، وهذا القدر مطلوب ومحمود، لكن أن تكون أماني الإنسان خيالات وأحلام وأشياء لا يوجد أي شيء يربطها بالواقع فهذا هو المذموم.
التمني في السنة
وتعقيبًا على مداخلة، تقول: إن قدرًا معتدلًا من الأماني مهم جدًا في هدوء النفس ورحابة التفكير وحسن التأمل، قال الشيخ سلمان: هذه الأمنية الواقعية الجميلة، مشيرًا إلى أن البخاري عنده في صحيحه "كتاب التمني"، وهو من الكتب النادرة، فلا أعرف في كتب السنة شيئًا غيره، وذكر فيه أحاديث مثل تمني النبي -صلى الله عليه وسلم- الاستشهاد في سبيل الله: «وددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا»، كما ذكر فيه أيضًا النهي عن تمني الموت، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعدما أحرم بالتمتع قال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة»، فتمنى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن لم يكن فعل ذلك.
وأضاف فضيلته: كما ذكر فيه أيضًا عددًا من الأحاديث التي فيها نوع من التمني، إشارة إلى أن التمني حينما يكون فيه خير أو أن يتمنى الإنسان أمرًا طيبًا فاته فهذا محمود، كما أنه ساق حديث: «لا حسد إلا في اثنتين» في هذا الباب وهو جميل «لاَ حَسَدَ إِلاَّ فِى اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ»، فهذا يتمنى الإنسان أن يكون مثله.
المرأة.. وعالم الأمنيات
وردًّا على سؤال يقول: هل المرأة دائمًا هي الأوثق بعالم الأمنيات؟، قال الشيخ سلمان: هذا صحيح وأكيد، مشيرًا إلى أنه يوجد في القرآن الكريم ما يؤيد هذا المعنى، فعندما نزل قول الله تعالى: (وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ)(النساء: من الآية32) وهذه أظن أن البخاري ساقها في كتاب التمني، حيث يقال إن هذه الآية نزلت عندما تمنت أم سلمة -رضي الله عنها- وقالت: "ليتنا كنا رجالًا حتى نغزو مع رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ونحضر كما يحضر الرجال"، فنزل قوله تعالى: (وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ)(النساء: من الآية32).
وأضاف فضيلته أن هذا التوازن في قوله تعالى: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا) أي: لهم مكانة، (وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ)، كما أن النساء لهن مكانة وقدر وتكليف، لافتًا إلى أن الله عز وجل أشار في القرآن الكريم إلى جوانب عظمة المرأة، فذكر أن المرأة عندها فراسة لا توجد عند الرجل؛ مثلما ورد في قصة يوسف عليه السلام، حينما قالت امرأة فرعون له أن يستخدم يوسف ويبقيه: (عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا)(يوسف: من الآية21).
قدرات.. وإمكانيات ذهنية
وأردف الدكتور العودة: وكذلك عندما رأت الجاريتان موسى -عليه الصلاة والسلام-: (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) (القصص:26)، مما يشير إلى أن المرأة لديها قدرات وإمكانيات ذهنية وعقلية وبدينة لا توجد عند كثير من الرجال، كذلك قصة امرأة فرعون: (إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ )(التحريم: من الآية11)، وقصة مريم حيث تمنت: (قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا)(مريم: من الآية23).
وتابع فضيلته أن كثيرًا من النساء تتمنى الموت إذا ضاقت عليها نفسها أو تزوّج عليها زوجها أو هجرها أو أصابها نازلة معينة، حيث تجد أن المرأة كثيرًا ما تتمنى الموت، فتجد مريم عليها السلام ترى مصيبة طبعًا بالنسبة لها في بادي الرأي، وفي نظر الإنسان لأول وهلة أن تأتي بولد من غير زوج (فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا) (مريم:23).
ليتني كنت رجلًا؟!!
وأوضح الشيخ سلمان: لكن انظر العاقبة كيف كانت، وهذا فيه تعبير لكل امرأة تهم أن تتمنى الموت أن تتذكر قصة مريم -عليها السلام- وكيف أن نداها: (مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي)(مريم: من الآية24) هذا الرجل الذي ظل ملئ سمع الدنيا وبصرها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها حتى نهاية العالم، حيث سيظل لعيسى عليه السلام فيها ذكر وحضور ووجود وتأثير، وهو الرجل الذي برمت به، مشيرًا إلى أن الأم قد تضيق من مولود يكون معاقًا وما تدري أن هذا المعاق سيكون له أثر عظيم في الدنيا، وإذا لم يكن له أثر عظيم في الدنيا يمكن أن يكون سبيلًا لها إلى الجنة.
ولفت فضيلته إلى أن كون المرأة وخاصة في شرقنا الإسلامي كثيرًا ما تشعر بأنها مبخوسة الحقوق وأن الرجل يذهب ويأتي ويتصرف ويكرم ويتفوق أكثر منها، وهذا قد يكون واقعًا في عديد من المجتمعات والبيئات، لكن علينا ألا نبدأ التمني بـ "ليتني كنت رجلًا"، لأن هذا يصنع مشكلة أخرى وهي عدم التكيف مع الأنوثة، ومع المرأة كجسد ووظيفة وعلاقة وواقع في المجتمع.
تشبث بالحياة
وفيما يتعلق بأن تمني الموت ليس خاصًا بالنساء فقط، ولكن هناك من الرجال من إذا حزبهم أمر معين فإن الأقرب أحيانًا على اللسان هو تمني الموت، قال الشيخ سلمان: إن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال «لاَ يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ»، وهذا مما ساقه البخاري، مشيرًا إلى أن تمنى الموت هو تعبير عن روح انسحابية من الواقع أو استسلام للمصيبة؛ ولذلك فإن تمنى الموت لا يقدم ولا يؤخر لكنه معنى سلبي، ولذلك نهى عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- بل قال -صلى الله عليه وسلم-: «فَإِنْ كَانَ لاَ بُدَّ فَاعِلًا فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ أَحْيِنِى مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِى، وَتَوَفَّنِى إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِى».
وأضاف فضيلته أن هذا يعلمنا أن نتشبث بالحياة "فإن المؤمن لا يزيده عمره إلا خيرًا" وأن تمنحنا الحياة قدرًا من الحيوية والتفاعل والأداء والعطاء، فإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يعمل أي شيء، فإن هذا النفس الذي يتردد لو لم يكن من ورائه إلا سبحان الله والحمد لله والله أكبر، حتى في قلبه ذكر الله لو لم ينطق به بلسانه فهو يكتب له عليه الأجر والثواب.
تمني الحرام؟!!
وردًّا على سؤال يقول: وماذا عن تمني الحرام؟، قال الشيخ سلمان: هذه مصيبة، وإن كان فيه قدر من التمني، حيث ينبغي أن نفرق بين كون تمني الحرام مجرد خاطر في القلب، أو تمني الفعل إذا قدر عليه، مشيرًا إلى أن قول النبي -عليه الصلاة والسلام-: «لِكُلِّ ابْنِ آدَمَ حَظُّهُ مِنَ الزِّنَا، فَالْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلاَنُ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا الْمَشْىُ، وَالْفَمُ يَزْنِى وَزِنَاهُ الْقُبَلُ، وَالْقَلْبُ يَتَمَنَّى وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ أَوْ يُكَذِّبُهُ»، ففي قوله: (وَالْقَلْبُ يَتَمَنَّى): إشارة إلى أن مجرد التمني أحيانًا هو خاطر، وأن الإنسان جبل على الرغبة، سواء رغبة الأنثى بالذكر أو الذكر بالأنثى.
وأضاف فضيلته أن مجرد أن يكون خاطرًا في القلب، فإن هذا لا يحاسب عليه بل يكتب له أجر «مَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ» لكن إذا كان هذا التمني معناه أن الإنسان لو تمكّن وقدر لفعل فإنه يكتب عليه إثم لأن هذه خطوة إلى الحرام.
توظيف الأماني
وتعقيبًا على مداخلة من مشارك يقول: إن الأمنية لابد لتحقيقها من توظيف للطاقة الإيجابية التي ولدتها الأمنية، فإذا خمدت هذه الطاقة ولم تفعّل إلى إرادة صارت الأمنية أدراج الرياح، قال الشيخ سلمان: هذا صحيح، بل صارت عبارة عن تعبير عن الكسل، مشيرًا إلى أن الأماني إذا لم تتحول إلى مشروع تصبح مجرد تخدير للذات قبل الآخرين.
وأكد فضيلته على أهمية أن يتعاون الناس في تنفيذ الأماني، مشيرًا إلى أن المجتمعات -لا قدر الله- المتحاسدة تجد أن كل أحد يحاول أن يعوق مشروع الآخر، كما أن الآخر يحاول أن يعوق مشروعه أو أمنيته بينما في الواقع يفترض أن ندعم مشاريع الآخرين، وأن نسعى إلى أن يحققوا أمانيهم وأن يكون تحصيلنا لأهدافنا من خلال مساعدة الآخرين على تحقيق أهدافهم.
تمني الحياة
وتعقيبًا على مداخلة تقول: إننا دائمًا نرسم مستقبلنا من خلال خيالنا وأمانينا ومستوى أحلامنا وطموحاتنا، قال الشيخ سلمان: إننا بقدر ما نتكيف مع واقعنا تتحقق أمانينا، فالرسول -عليه الصلاة والسلام- عندما ينهانا عن تمني الموت، فإن هذا معناه أنه علينا أن ننتمي للحياة وأن نستبشر ونفرح بها، مشيرًا إلى أننا بقدر ما ندرك هذا المعنى تصبح أمانينا واقعية وحياتنا مرتبطة بهذه الأيام التي نعيشها بدلًا من أن يعدّ الإنسان الأيام ومتى يرحل، يصبح يعدّ الأيام بحسب الإنجاز الذي عمله.
وأضاف فضيلته أن الإنجاز ليس المقصود به صناعة قمر صناعي أو إنجاز خارق، ولكننا نتحدث عن إنجاز بمعياري الشخصي ليعتبر شيئًا جيدًا، فأن أقرأ كتابًا هذا إنجاز، وأن أرمم علاقة كادت أن تندثر بين اثنين هذا إنجاز، وأن أرعى طفلًا صغيرًا وأربيه ربما يصبح لهذا الطفل شأن عظيم في المستقبل هذا إنجاز، وأن أساعد إنسانًا يعاني ما يعاني في الحياة فأحاول أن أسرب له بعض مشاعر وأحاسيس الحب والسعادة والرضا وأصنع البسمة في وجهه هذا إنجاز، حيث يجب علينا أن نتحدث عن الإنجازات البسيطة والمقدور عليها ونعتبر أنها أماني جميلة
