[align=center]أنا .. الداعي شوفالييه .. الفقير لرحمة ربه .. رجل عاديّ جدا" من هؤلاء الذين تصادفونهم يوميا" هنا و هناك دون أن تعيرونهم أي انتباه , له أنف و عينان و شفتان ( والدته تدّعي أنه يملك عيني عمر الشريف , لكن نظرات الفتيات اللامبالية تجعله يشك أن أمه تبالغ قليلا" ) , تؤلمه معدته أحيانا" ( يزداد الألم عادة بعد سماع بعض الأغنيات الشبابة , و نشرات الأخبار , و مشاهدة هالة سرحان ) مما يجبره على الاحتفاظ بدوائه قربه دوما" فلا أحد يدرك بالضبط متى سيخرج عليه كائن عجيب غريب اسمه ( يوري مرقدي ) لينخز معدته بمخرز شيطان أمرد .
خوّاف جزِع .. رعديد جبان .. يهاب كلّ شيء من خطرات قلبه ( علّها تكون آثمة ) إلى كلمات قد يتعجّل في نطقها ( فترديه الهلاك يوم الحساب ) . يحبّ كل الموجودات حوله لا فضلا" و لا منّة , فهو ببساطة يخاف أن يكره .
و نظرا" لأنه وجد أن الصباح مليء عادة باحتمالات مواجهةٍ مستفزةٍ قد تستهلك منه يومه كله بين تجهّم و عبوس و قلق و قلّة فائدة و ( بهدلة ), فقد عقد اتفاقية مصالحة مع هذا العالم تقتضي بأن يحاول هو أن يبتسم دوما"مهما كانت الظروف مقابل أن يتعهد الطرف الثاني ( و هو العالم ) أن يخفف عنه وطأة الظروف القاسية العنيدة .
و هكذا قرّر أن يعيش – رغم أنه استنكف في البداية – لكنه اكتشف لاحقا" أن الأمر أعقد مما كان يتخيّل .
فقد كان يدرس لأنهم قالوا له أنه يجب أن يفعل ذلك , و استمر بعمله هذا دون أن يفكّر لحظة بالسؤال المنطقي الذي يتكون من حرفين لا غير : لماذا ..؟؟
قالوا له ادخل الجامعة فدخل , و انهمك مرة أخرى في هذه المهمة بهمّة و نشاط حتى ألفى نفسه فجأة خريجا" جامعيا" على سن و رمح يلبس بدلة التخرج مبتسما" أمام عدسة الكاميرا التي أهدته صورة تذكارية كبيرة علّقتها أمه على الحائط نكاية في الحاسدين و دليلا" دامغا" أمام المغرضين و المرجفين .
ثمّ كانت المفاجأة حين قالوا له :
- دونك العالم .. هيّا .. ( ورّينا شطارتك ) .
فأحس بالدوار و الجزع .
أحلامه كأحلام العصافير , تفرحه أشياء صغيرة لا يهتم بها أحد عادة , كسوار ساعة قديم , أو مجلّة مهترئة , أو حفنة من كلمات المجاملة التي لا تعني معانيها , و تحزنه أيضا" أشياء صغيرة كتلك النظرة المتسائلة المتنهدة لكنّاس عجوز حين يمرّ به الناس غير مبالين , أو ثغاء خروف عيد جازع قبل أن يصبح سيخا" لذيذا" من الكباب , أو كلمة حاقدة تطلع من قلب مليء بشيء لا يدري كنهه يسمى عادة : الشر .
تتلخص مخاوفه بشيئين لا ثالث لهما :
أن يدفن حيّا" و أن يدخل النار ..
و للأسف فهو لم يصل إلى حل نهائي لأيّ من هاتين المعضلتين .
هذا هو ( أنا ) ..
نفسي :
أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه .
نفسي يا سادة يا كرام و العياذ بالله متكبّرة متعجرفة , مختالة مباهية ( لا أدري لماذا ) , ترى ذاتها فوق كل هذه الخلائق كأنها انحدرت توا" من جبل الأولمب و تعود في نسلها إلى زيوس ذاته و تجري في عروقها دماء آلهة الإغريق , تظن نفسها في العالم و ليست منه , فكل هذه الدنيا لا تشتريها ببصلة .
لا تهاب شيئا" و لا تحذر مغبّة و لا تحترم قانونا" , جسورة شجاعة , تطرح أسئلة غريبة ثمّ ترحل حتى قبل أن أفكر بالإجابة , و تحس من فرط خيلائها أن القدر ظلمها و كادها و ( شرشحها ) حين وضعها في هذا الشيء المتواضع الذي هو بالطبع ( أنا ) , فأنا بالنسبة لها قيد يحد من حريتها و سجن يحبس تطلعاتها و أحلامها المتهورة .
الشيطان :
هو ليس صديقنا المحامي ذاك الذي تجرّأ و ادعى لنفسه هذا اللقب دون وجه حق .
هو من تعرفونه جميعا" , صفوة الشر على هذه الأرض , المخلوق الذي تعاقبت أجيال البشر على لعنه منذ بدء الخليقة حتى اليوم , فهو من حرمنا – بالتواطؤ مع نفوسنا الأمارة بالسوء أيضا" فليس من الحق أن نحمّله وحده مسؤولية الكارثة التي حدثت ذات يوم أغبر بعيد - من أن نكون الآن في الجنة نتريّض أفياءها و نناجي حسانها و نستمتع فيها بشبابنا الخالد , هذا اللعين هو من – ذات لحظة مشؤومة – وسوس لآدم و حواء أن يأكلا من تلكم الشجرة , فأحسّا فجأة بشيء غريب يتسلل في خلاياهما موقظا" رغبة غير مفهومة أسماها فيما بعد ( الشهوة ) .
و هبطنا إلى الأرض ...
آدم .. آدم .. ياللهول ..
آدم .. آدم .. ماذا فعلت ..؟؟
هؤلاء يا سادة يا كرام .. أبطال الحكاية ..
هل أبدأ ..؟؟؟[/align]



رد مع اقتباس
