يوم واحد فقط يفصلنا عن وداعه، الشهر الغالي الذي يحل ضيفا كريما في قلوب ترتجيه، ويحل عبئا ثقيلا في قلوب أثقلها حب الدنيا والملذات، شهر الصبر الذي يكافئ عليه الرحمن دون أن نعرف نحن البشر أبعاد أجره، شهر جاء وغاب سريعا متعجلا، ليخبرنا أن العمر يمر سريعا، وأن العام المقبل قد لا نعيش فيه رمضان.

في وداع رمضان، رأيت الناس كمن تعبوا، بعضهم صار يشعر بعبء الصبر، وبعضهم ذابت قلوبهم وجلا من خشية الله، وآخرون تلقفتهم نهايات المسلسلات التي يتابعونها، وهناك من سهروا الليالي قياما وراء الإمام متهجدين خاشعين.

مضى رمضان بسرعة، فمازالت التهاني بقدومه ترن في الآذان وأجهزة “الموبايل”، ها هو يرحل وها هي التهاني تتسابق للعيد المقبل إن شاء الله، مضى رمضان، واختلفت أوضاع الناس في وداعه، كما اختلفت في استقباله.

بعضهم فكر بالطاعات، كثيرون ذهبوا للعمرة، وآخرون زادوا في العبادة، لأن عشر العتق من النار سريعة لا تلحقها إلا الهمم العالية.

هناك من تسمر أمام التلفزيون، تابع الحلقات، قضى النهار نائما، يصوم ولا يصلي، اقتصر عنده رمضان على الامتناع عن الطعام والشراب، أحوال غريبة أفرزتها تربية ناقصة في زمن متعب بالشهوات.

سأفتقد رمضان، أفتقد اجتماع إخوتي على الإفطار والسحور، لذة الماء البارد الذي ينسكب على الروح بعد الصيام، النجوم والأقمار التي نزلت لتزين أبوظبي الرمضانية، هدوء الشوارع قبيل الإفطار وازدحامها بعد العشاء، ازدحام المصلين على المساجد، الفرحة الراقصة في عيون صبي أتم يوم صومه الأول.

سأفتقد رمضان، أفتقد الصبر حتى على نفسي، الهدوء الذي يغطى على أشخاص تثيرني عصبيتهم طوال العام، نبرة الصوت الخافتة من أناس اعتدت صياحهم العالي، اختفاء الجلبة العامرة من أجواء مكتبي، سأفتقد كل هذا لأن رمضان لملم نفسه وتجهز للرحيل.

جاء رمضان ليهذب السلوك، وليفتح بابا للعودة للروحانية والإيمان العميق، من توغل في أجوائه لن يعود أبدا مثلما كان قبل رمضان، فشهر من الصوم كاف لتهذيب روحه وتغيير سلوكه، ومن فاته خير رمضان ولم يقترب من باب إيمانياته فلن يختلف فيه الكثير، حتى معدته لن تختلف لأنه أثقلها بالطعام بعد الإفطار، وبالنوم طوال النهار.

جاء رمضان ورحل، وبقيت ذكرياته وأجواؤه، عسى أن يبلغكم الله رمضان القادم وأنتم بخير.








فتحية البلوشي
الآتحآآد