النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: " البحث عن السعادة " للشيخ صالح بن عواد المغامسي ... " حفظه الله " ...

البحث عن السعادة أكرم الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم وصحبه بالعيش السعيد، فعاشوا في مجتمع مسلم يحيا الإيمان من جميع جوانبه، وإنما حظي الصحابة الكرام بذلك بعد

  1. #1
    مراقب سابق الصورة الرمزية أبو عجائب
    تاريخ التسجيل
    May 2008
    الدولة
    الثامرية سيتي
    المشاركات
    4,627

    " البحث عن السعادة " للشيخ صالح بن عواد المغامسي ... " حفظه الله " ...



    البحث عَن السعادة
    اكرم الله تعالي رسوله صلي الله عَليه وسلم وصحبه بالعيشَ السعيد
    فعاشوا فِي مجتمع مسلم يحيا الايمان مِن جميع جوانبه
    وإنما حظي الصحابة الكرام بذلِك بَعدَ تحصيل اسبابه
    كالخوف مِن الله تعالى
    والامر بالمعروف والنهي عَن المنكر والمودة والرحمة وغير ذلك
    وقدَ جعل الله تعالي ذلِك العيشَ امرا يُمكن ان يجده مِن ياتي مِن بَعدهم إذا حققوا جملة مِن الوسائل الموصلة الي طريقهم وسعادتهم.

    اسباب السعادة فِي حيآة اصحاب رسول الله صلي الله عَليه وسلم

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمدَ لله رب العالمين حمدا كثِيرا طيبا مباركا فيه كَما يحب ربنا ويرضى
    واشهدَ ان لا اله الا الله وحده لا شَريك له
    واشهدَ ان نبينا محمدا عبده ورسوله
    اخر الانبياءَ فِي الدنيا عصرا وارفعهم واجلهم يوم القيامة شَانا وذكرا
    صلي الله عَليه وعلي اله واصحابه
    وعلي سائر مِن اقتفي اثره واتبع مِنهجه باحسان الي يوم الدين
    اما بَعد: فإن المؤمنين متفقون علي ان النبي صلي الله عَليه وسلم ربي اكمل جيل وامثل رعيل, كَانوا شَامة فِي جبين الايام وتاجا فِي مفرق الاعوام, حتّى قال عنهم الشاعر العربي
    الله يعلم ما قلبت سيرتهم يوما = واخطا دَمع العين مجراه
    فاصحاب محمدَ صلوات الله وسلامه عَليه بهم نصر الله جل وعلا الدين واعز الملة, نشئوا فِي مدرسة محمدَ صلوات الله وسلامه عَليه, فهم المطعمون المنفقون الشاكرون فِي السراء, وهم الثابتون الصابرون فِي الضراءَ والباساءَ ولما راي المؤمنون الاحزاب قالوا هَذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم الا ايمانا وتسليما [الاحزاب:22]
    ان مِن ينشدَ الحيآة السعيدة لَن يجدها ظاهرة بينة واضحة كَما يجدها فِي حيآة محمدَ صلوات الله وسلامه عَليه واصحابه رضوان الله تعالي عَليهم اجمعين, والحديث عَن تلك القمم الشامخة حديث يطول, ولكننا نحاول ان نقف علي بَعض اجزاءَ مِنه, ان تعذر علينا ان نقف عَليه كله
    ان اصحاب محمدَ صلي الله عَليه وسلم وذلِك الجيل الامثل والرعيل الاكمل كَانت فيهم صفات عدة, ومن عظمة السيرة وما حفلت بِه أنه يُمكن ان يتدارسها الناس مِن عدة طرائق؛ لانك لا تدرس فيها شَيئا خفيا لتظهره, وإنما هِي ظاهرة بينة واضحة كالشمس المشرقة, وإنما ينهل مِنها الواردون, ويستقي مِنها الطالبون, وكل يوفقه الله جل وعلا ولو الي حيز بحسب دَوره فِي المجتمع مِن سيرة نبينا صلي الله عَليه وسلم واصحابه رضوان الله تعالي عَليهم



    الخوف مِن الله

    الخوف مِن الله اعظم مقاصدَ الشرع, واعظم ما يثيب الله جل وعلا عَليه
    قال تعالى: ولمن خاف مقام ربه جنتان [الرحمن:46]
    فالخوف مِن الله تبارك وتعالي سبيل لكُل غاية, واذا ارادَ الله بعبدَ خيرا وطن قلبه علي ان يخشي ربه جل وعلا ويخاف مِنه
    قال تعالى: قل اني اخاف ان عصيت ربي عذاب يوم عظيم [الانعام:15]
    وقدَ كَان هابيل اشدَ قوة مِن قابيل
    فلما هُم قابيل بقتل هابيل ما مَنع هابيل ضعف فِي بدنه
    وإنما مَنع هابيل ان يقتل اخاه خوفه مِن الله
    فقال: لئن بسطت الي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي اليك لاقتلك اني اخاف الله رب العالمين [المائدة:28]
    فالخصيصة الجلي الَّتِي كَان عَليها انبياءَ الله مِن قَبل
    ورسولنا صلي الله عَليه وسلم مِن بَعد, وعلمها صلي الله عَليه وسلم اصحابه فِي حياته هِي الخوف مِن رب العالمين جل جلاله؛ لان العبدَ إذا خاف الله اجتنب الذنوب والمعاصي ان يقتحمها
    وان لَم يرزق فِي قلبه خوفا مِن الله والعياذ بالله تجرا علي المعاصي وتجرا علي الذنوب, ومثل هَذا أين يرجي ان يؤتي كمالا أو يعطي منالا مِن ربه تبارك وتعالى
    فانشا محمدَ صلي الله عَليه وسلم ذلِك الجيل علي الخوف مِن ربهم تبارك وتعالى, واورثهم ذلِك الخوف البعدَ عَن المحرمات, والمسارعة والمسابقة فِي الخيرات, والا فانه لا يعقل ان احدا يتجرا علي معصية الا إذا قل الخوف فيه مِن الله, وقدَ لا ينعدَم مِنه بالكلية, ولكن يقل
    ولا يُمكن ان ياتي أحدَ الي طاعة الا مَع حسن ظنه بالله ان يثيبه
    قال الله جل وعلا: إنما يخشي الله مِن عباده العلماءَ [فاطر:28]
    وليس العلماءَ مِن حفظوا المتون واملوا الدروس, فكل مِن خشي الله فَهو عالم بمقدار خشيته, وكل مِن عصي الله فَهو جاهل بمقدار معصيته
    قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: إنما العلم الخشية
    اي: الخوف مِن الرب تبارك وتعالى
    فهَذه الخصلة اولي واعظم ما ربي النبي صلي الله عَليه وسلم عَليه امته
    وهي المفتاح الحق للحيآة السعيدة.


    الامر بالمعروف والنهي عَن المنكر


    الامر الثاني: الامر بالمعروف والنهي عَن المنكر
    قال الله جل وعلا: والمؤمنون والمؤمنات بَعضهم اولياءَ بَعض يامرون بالمعروف وينهون عَن المنكر ويقيمون الصلآة ويؤتون الزكآة [التوبة:71]
    وقال جل وعلا ولتكُن منكم امة يدعون الي الخير ويامرون بالمعروف وينهون عَن المنكر [ال عمران:104]
    والفسادَ فِي الارض اعظم ما نهي الله جل وعلا عنه
    قال تعالى: ولا تفسدوا فِي الارض بَعدَ اصلاحها [الاعراف:56]
    ولما اثني الله جل وعلا علي رجال قَدَ خلو وامم قَدَ سبقت قال: فلولا كَان مِن القرون مِن قَبلكُم اولوا بقية ينهون عَن الفسادَ فِي الارض الا قلِيلا ممن انجينا مِنهم [هود:116]
    و(لولا هُنا فِي مقام الحض والحث
    والذي يعنينا ان الامر بالمعروف والنهي عَن المنكر شَعيرة عظمى, حملها النبي صلي الله عَليه وسلم وحملها اصحابه مِن بَعده وفي حياته صلوات الله وسلامه عَليه
    وتوحيدَ الله جل وعلا وافراده تبارك وتعالي بالعبادة اعظم المعروف
    والشرك بالرب تبارك وتعالي اعظم المنكر, ففي الحديث: أي الذنب اعظم قال: ان تجعل لله ندا وهو خلقك)
    واعظم المعروف توحيدَ الرب تبارك وتعالى
    ولهَذا بدا الرسل جميعا بلا استثناءَ دَعوتهم لاممهم بالدعوة الي عبادة الله وحده وافرادَ العبادة لَه جل وعلا دَون سواه, مَع التحذير والنهي عَن الشرك
    وقال الله حكاية عَن العبدَ الصالح: يا بني لا تشرك بالله ان الشرك لظلم عظيم [لقمان:13]
    ثم ان مِن اعظم المعروف الَّذِي امر بِه جل وعلا اقامة الصلآة وايتاءَ الزكآة واداءَ بقية الاركان
    اما المنكرات فإن مِن اعظمها بَعدَ الشرك اثنان: القتل
    والزنا
    فهَذه الثلاثة الشرك بالله والقتل والزنا حرمها الله فِي جميع الشرائع قال الله جل وعلا فِي سورة الفرقان: وهي مكية: والذين لا يدعون مَع الله الها آخر ولا يقتلون النفس الَّتِي حرم الله الا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلِك يلق اثاما [الفرقان:68]
    فهَذه الايات نزلت فِي العهدَ المكي, قَبل ان تفصل الشرائع كَما وقع فِي المجتمع المدني
    فاما القتل فإن النبي صلي الله عَليه وسلم يقول فيه: لان تهدم الكعبة حجرا حجرا اهون عِندَ الله مِن قتل مسلم ذلِك ان الكعبة إذا هدمت فإنما هِي بنيان
    فياتي الصالحون فيعيدون بناءها, اما المسلم إذا قتل وازهقت روحه فلا سبيل ابدا الي عودة روحه, ومن هُنا كَان قتل المسلم معظما جداً عِندَ ربنا تبارك وتعالى
    الا بالحق كَما قيدَ ربنا جل وعلا
    والله جل وعلا ذكر فِي القران خبر قابيل و هابيل
    وان قابيل تجرا علي هابيل فقتله, فلما حار فِي اخيه كَيف يصنع به
    وارادَ الله ان يعلمه عامله الله جل وعلا بمثل صنيعه, فكل شَيء مما فيه روح قابل لان يبعثه الله ليعلم قابيل
    ولكن الله اختار الغراب وهو مِن اعظم الفواسق, حتّى يقول لقابيل هَذا مِن جنسك انت
    قال الله جل وعلا: فبعث الله غرابا يبحث فِي الارض ليريه كَيف يواري سوآة اخيه قال يا ويلتا اعجزت ان اكون مِثل هَذا الغراب [المائدة:31]
    فاعترف بان الغراب أفضل مِنه, والسَبب فِي ذلِك أنه تجرا علي دَم حرام لَم يبحه الله جل وعلا
    والمسلم الَّذِي يعلم ما هُو المعروف وما هُو المنكر, لا يتجرا علي الدماءَ بيده
    ولا يتجرا علي الدماءَ بلسانه فيريق دَما مسلما معصوما بفتوي أو بغيرها يُريدَ بذلِك عرضا مِن الدنيا, وإنما دَماءَ المسلمين حرام
    فقبل ان يتكلم المرء فيها يَجب عَليه ان يتقي الله جل وعلا تقوي عظيمة
    ويروي ان ابا حنيفة رحمه الله تعالي فِي ايامه ظهرت فِي مكان كَان يسكنه شَوكة الخوارج الَّذِين يرون كفر مرتكب الكبيرة الَّذِي يموت دَون توبة, فجاءه ذَات يوم رجلان مِنهم وهو فِي المسجدَ فرفعا سيفين عَليه, وقالا: جنازتان فِي الباب اي: بباب المسجد-: الاولي لرجل شَرب الخمر فغص بها فمات, والاخري امرآة حبلي مِن الزنا ماتت قَبل ان تتوب
    فما تقول فيهما وكان يُريدَ ان يقول: أنهما كافران
    فاحتال عَليهما فقال: هَل هما يهوديان فقالا: لا
    فقال: هَل هما مِن النصاري فقالا: لا
    فقال: هَل هما مِن المجوس فقالا: لا
    فقال: ممن هما فقالا مِن غَير ان يشعرا: هما مسلمان
    فقال: انتما حكمتما بانهما مسلمان, وانا لَم أقل شَيئا
    فقالا: دَعنا مِن الاعيبك, قل لنا: هما فِي الجنة ام فِي النار فقال رحمه الله تعالى-: اقول فيهما ما قاله خير مني فيمن هُو شَر مِنهما, اقول فيهما ما قاله عيسى: ان تعذبهم فانهم عبادك وان تغفر لَهُم فانك أنت العزيز الحكيم [المائدة:118]
    واقول فيهما ما قال خليل الله ابراهيم: فمن تبعني فانه مني ومن عصاني فانك غفور رحيم [ابراهيم:36]
    كل ذلِك ورعا ان يحصل سفك للدماءَ بسَبب كلمة أو فتوي يقولها
    والمقصودَ مِن هَذا ان الله جل وعلا حرم الدماءَ بطرائق شَرعية معروفة, فلا يجوز لمؤمن ان يسفك دَم مسلم
    وفي الحديث لا يزال المؤمن فِي فسحة مِن دَينه ما لَم يصب دَما حراما)
    والمنكر الثالث بَعدَ الشرك والقتل الزنا عياذا بالله
    قال الله جل وعلا: ولا تقربوا الزني أنه كَان فاحشة وساءَ سبيلا [الاسراء:32]وقدَ اخبر صلي الله عَليه وسلم بانه راي رجالا ونساءا فِي تنور ضيق مِن ادناه واسع مِن اعلاه يتضاغون فيه, قال: قلت: مِن هؤلاءَ يا جبريل قال: هؤلاءَ الزنآة والزواني عياذا بالله
    وينبغي علي المجتمع المسلم ان يتعاضدَ افراده واحاده علي ايقاف الرذائل مُهما كَانت, وعلي نشر الفضائل وحراستها, وعلي اشاعة فضيلة الحياءَ فِي الناس, حتّى يبتعدَ الناس بقدر الامكان عَن ذلِك المنكر الَّذِي حرمه الله, وحرمه رسوله صلي الله عَليه وسلم, بل قَدَ قال العلماء: جاءت الشرائع كلها بتحريمه
    وعلي ان العاقل إذا ارادَ ان يامر بمعروف أو ينكر منكرا ان يَكون حكيما عاقلا لبيبا عالما, لئلا يؤدي انكاره الي مفسدة اكبر مِنها
    قال شَيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله: ليس الطبيب الحاذق مِن يهدم مصرا اي: مباني عديدة, وديارا كاملة ليبني قصرا
    اي: ليبني قصرا واحدا, وإنما ينظر مِن تصدر للقرار وللكلام وللحديث وللفتوي وللتدريس ينظر الي المجتمع, وقدَ يُمكن السكوت علي منكر خوفا مما هُو اعظم مِنه فِي بيئة, ولا يُمكن السكوت عنه فِي بيئة اخرى
    وهَذه امور يدركها كُل مِن تامل الشريعة حق التامل, ونشا مؤصلا نفْسه علميا علي سنن صالح الاسلاف رحمة الله تعالي عَليهم




    المودة والرحمة


    الخصيصة الثالثة فِي المجتمع المحمدي: التوادَ والتراحم
    اخرج الامام البخاري مِن حديث ابي هريرة رضي الله تعالي عنه وارضاه ان النبي صلي الله عَليه وسلم خرج ذَات يوم, فيلقي ابا بكر و عمر فِي ساعة لَم يكونا يخرجان فيها, فقال: ما الَّذِي اخرجكَما فِي هَذه الساعة فقالا: اخرجنا الجوع, فقال صلي الله عَليه وسلم: وانا والذي نفْسي بيده ما اخرجني الا الجوع)
    فهَذا النبي الامي لَم يكن غنيا ولم يكن فقيرا, تمر عَليه ايام يجدَ فيها ما ياكله, وتمر عَليه ايام لا يجدَ فيها ما يطعمه
    وبهَذه النظرة الكاملة يعرف حاله صلي الله عَليه وسلم
    قال تعالى: الم يجدك يتيما فاوي ووجدك ضالا فهدي ووجدك عائلا فاغني [الضحى:6-8]
    فخرج عَليه الصلآة والسلام ومعه ابو بكر و عمر رضوان الله تعالي عَليهما قَدَ اخرجهما الجوع, فقال: وانا والذي نفْسي بيده ما اخرجني الا الجوع)
    ومن هُنا تعلم ان بَعض الفضلاءَ مِن الناس إذا قال كلمة أنا تعوذ, وقال: اعوذ بالله مِن كلمة انا), ولا يُوجدَ تثريب شَرعي فِي ان يقولها الانسان, وإنما نقمها الله علي فرعون وعلي ابليس لما بَعدها لا للفظة نفْسها؛ لان ابليس قال: أنا خير مِنه خلقتني مِن نار وخلقته مِن طين [الاعراف:12]
    وفرعون عياذا بالله قال: أنا ربكم الاعلي [النازعات:24]
    ولكنها تكره إذا كَان طرق الانسان بابا فسئل مِن أنت فقال: انا
    ففي مِثل هَذه الحالة لا تفيدَ معنى
    ولا تؤدي جوابا
    ولا يعرف مِن أنت ما لَم تسم نفْسك, فمن اجل ذلِك كرهها نبينا صلي الله عَليه وسلم فِي هَذا الموضع المقيد
    فخرج عَليه الصلآة والسلام ومعه ابو بكر و عمر
    فاتوا بيت ابا الهيثم بن التيهان رضي الله عنه وارضاه
    ولم يكن فِي الدار
    بل كَانت زوجته, فلما راتهم فرحت, ولخوفها مِن ان يذهبوا قالت: مرحبا واهلا, وادخلتهم الدار, فجاءَ ابو الهيثم
    فلما راهم قال: ما أحدَ اليَوم اكرم اضيافا مني
    وصدق رضي الله عنه وارضاه, فلم يكن يومها علي وجه الارض أحدَ أفضل مِن رسول الله صلي الله عَليه وسلم و ابي بكر و عمر
    فبادر الي عذق فِي النخلة فاخرجه بسرا وتمرا ورطبا, وقدمه لَهُم وقال: تخيروا
    ثم عمدَ الي المدية وهي السكين فراها النبي صلي الله عَليه وسلم فِي يده؛ فتامل ايها المبارك كَيف يربي النبي عَليه الصلآة والسلام الامة
    فقال: اياك والحلو)
    اي: لا حرج
    ولكن لا تذبح شَآة حلوبا يستفيدَ مِنها اهل الدار
    فلو مَنع النبي صلي الله عَليه وسلم ابا الهيثم مِن ان يذبح لمنعه مِن اكرام ضيفه
    وهَذا لا يعقل ان يفعله عَليه الصلآة والسلام, وفي نفْس الوقت كَان يخشي علي اهل البيت الضرر
    فقال: اياك والحلوب وهكذا العاقل فِي تعامله مَع مِن حوله فِي القضايا الَّتِي تلج عَليه مَع الناس
    فلا يُمكن ان يسلب الناس ما يفخرون بِه ويفرحون به, وفي نفْس الوقت لا يطلق العنان حتّى تصبح المسالة مسالة ضرر
    فتنقلب مِن اكرام ضيف الي ضرر بالاهل, فقال صلي الله عَليه وسلم: اياك والحلوب)
    ونظير هَذا فِي السنة أنه فِي يوم أحدَ كثر القتلي مِن المسلمين حتّى بلغوا سبعين, فحملت الانصار قتلاها تُريدَ ان تدفنهم فِي المدينة, فامرهم صلي الله عَليه وسلم ان يدفنوا الشهداءَ فِي اماكنهم, والعدَدَ سبعون, والصحابة الَّذِين نجوا كَانوا مرهقين جدا
    حتي أنهم صلوا الظهر قعودا وراءَ النبي صلي الله عَليه وسلم, فعادَ عَليه الصلآة والسلام الي اسلوبه الامثل, فلم يوافق علي ان ينقلوا القتلي الي المدينة, حتّى تشهدَ ارض أحدَ لهم, وفي نفْس الوقت لا يُريدَ ان يكلف هؤلاءَ المثخنين بالجراح بان يحفروا سبعين قبرا, فقال: اجعلوا الرجل والرجلين والثلاثة فِي قبر واحد)
    فاذا جعلنا ثلاثة مِن قتلي المسلمين وشهدائهم فِي قبر واحدَ قل عدَدَ القبور, فلجا صلي الله عَليه وسلم الي طريقَة مِثلي تجمع بَين عدَم ارهاق الصحابة ودفن الشهداءَ عِندَ جبل أحدَ فِي ارض المعركة
    وهنا قال صلي الله عَليه وسلم: اياك والحلوب)
    فذبح لَهُم رضي الله عنه وارضاه, فقال صلي الله عَليه وسلم بَعدها لصاحبيه: لتسالن عَن هَذا النعيم يوم القيامة)
    ثم أنه صلي الله عَليه وسلم بما يحمله فِي قلبه مِن مودة ورحمة مَع علو كعب فِي الفهم كَانه عرف ان ابا الهيثم ليس لَه خادم, فلما فرغ مِن ضيافته قال له: ائتنا إذا جاءنا سبي فلما قدم بسبي الي رسول الله صلي الله عَليه وسلم جاءه ابو الهيثم وقدَ كَان السبي غلامين, فقال صلي الله عَليه وسلم: اختر ايهما شَئت فقال: يا رسول الله اختر لي: فقال عَليه الصلآة والسلام كلمته الَّتِي سارت بها الركبان وضربت مضرب المثل: المستشار مؤتمن يعلم الامة ان مِن استشارك فقدَ قلدك امانة فِي عنقك, فاتق الله جل وعلا فيمن استشارك لتَكون بطانة خير له, فتخبره بما ينفعه, وتدله علي الصواب, ولا يقع فِي مِثل هَذه الاحوال غيبة
    فقال صلي الله عَليه وسلم ليبين للامة الطريق المثلي فِي الحكم علي الناس: اختر هَذا فاني رايته يصلي فلما كَان صلي الله عَليه وسلم يعلم اثر الصلآة علي النفس قال لهَذا الصحابي الجليل: اختر هَذا فاني رايته يصلي)
    ثم قال صلي الله عَليه وسلم له: واستوص بِه معروفا شَفقة علي هَذا الرقيق, فرجع ابو الهيثم مَع الرقيق الَّذِي اعطاه نبينا صلي الله عَليه وسلم اياه مِن السبي, فدخل علي زوجته يظهر الفرح علي اسارير وجهه, فاخبرها الخبر, ثُم قال لها: وان نبي الله قال لي: واستوص بِه خيرا أو معروفا فقالت المرآة الحاذقة: يا ابا الهيثم اعتقه؛ فبهَذا تتحقق وصية نبينا صلي الله عَليه وسلم, ولم يكن مرادَ رسول الله فيما نعلم ان يعتقه, ولكن المرآة ارادت ان تبلغ الكمال فِي حمل حديث نبي رب العزة والجلال صلوات الله وسلامه عَليه, فاعتقه, فبلغ خبر عتقه النبي صلي الله عَليه وسلم, فاخبر صلوات الله وسلامه عَليه بان المرء لا بدَ لَه مِن بطانة
    اما بطانة خير
    واما بطانة سوء, وقصده ان هَذه المرآة وهَذه الزوجة كَانت بطانة خير لزوجها بما اشارت بِه عَليه.
    وقدَ سقنا الحديث لنبين التوادَ والتراحم فِي المجتمع المدني انذاك, والنماذج علي هَذه كثِيرة
    ولكننا حدثنا ببعضها



    القيام بحقوق البيوت


    الخصيصة الرابعة الَّتِي كَان عَليها اصحاب محمدَ صلي الله عَليه وسلم مما رباهم عَليه نبي الله صلوات الله وسلامه عَليه: القيام بواجب المسلم نحو اسرته
    فالله جل وعلا ذكر لَهُم حقوقا, فقدم الوالدين فِي الذكر وقال بَعدَ ذلك: وات ذا القربي حقه [الاسراء:26] وبين حق الجار
    والعاقل ينتقل مِن دَائرة ضيقه الي دَائرة اوسع, فلا يقدم مِن اخره الله, ولا يؤخر مِن قدمه الله
    وقدَ كَان الصحابة رضي الله تعالي عنهم يعرفون حق اسرهم عَليهم
    الا تري ان أول مِن امن بالنبي صلي الله عَليه وسلم الصق الناس بِه فخديجة زوجته
    و ابو بكر صاحبه
    و زيدَ غلامه
    و علي ربيبه؛ فهؤلاءَ أول الناس اسلاما؛ لانهم كَانوا قريبين جداً مِن رسول الله صلي الله عَليه وسلم يرون عطفه ورحمته وشفقته فتاثروا, فلما دَعاهم الي الاسلام بادروا
    وينبغي للمؤمن ان يدرك واجبه نحو اسرته, فجابر بن عبدَ الله بن حرام الانصاري رضي الله عنهما استدعاه ابوه ليلة احد, ثُم قال له: يا بني قَدَ حضر ما تري اي: القتل والحرب والمعركة واني لا اراني الا أول مِن يقتل غدا, فاذا أنا مت فاقض دَيني واستوص باخواتك خيرا, وكان جابر رجلا ذكرا واحدا بَين اخوات
    فحضرت المعركة وكان عبدَ الله بن حرام والدَ جابر صادقا مَع ربه, فكان مِن اوائل مِن قتل فِي المعركة, يقول جابر فدفنت والدي مَع غَيره, وجاءَ فِي رواية اظنها فِي الموطا مِن مراسيل مالك أنه دَفن مَع عمرو بن الجموح
    يقول: لَم تطب نفْسي بَعدَ ستة اشهر ان يدفن رجل مَع ابي, فحفرت فوجدته كيوم دَفنته الا شَيئا يسيرا فِي اذنه
    ثم ان جابرا اخذ بوصية ابيه فِي العناية باخواته فتزوج علي الطريقَة المحمدية فِي تعليم الناس, بحيثُ لا تترك الاشياءَ بالكلية, ولا تؤخذ بالكلية, وإنما كَان يلجا صلي الله عَليه وسلم الي الوسطية فِي التعامل مَع الاشياء
    فجابر اوصاه ابوه باخواته, وهو فِي نفْس الوقت شَاب لنفسه عَليه حق ان يتزوج, فكان أمامه طريقان: اما ان يترك الزواج ويعتني باخواته
    واما ان يقول: سينشان علي رعاية الله
    وساتزوج بكرا وانظر لنفسي
    ولكن جابرا التلميذ فِي المدرسة المحمدية لَم يصنع هَذا ولا هذا, بل تزوج امرآة ثيبا, فلما تزوج الثيب اسقط شَيئا مِن حق نفْسه حيثُ لَم يتزوج بكرا, ولكنه لَم يسقط الزواج بالكلية, وفي نفْس الوقت اسقط شَيئا يسيرا مِن حق اخواته, فلم يتفرغ لهن بالكلية, ولكنه تزوج ثيبا حتّى تَقوم علي اخواته
    فلما قال لَه النبي صلي الله عَليه وسلم وقدَ علم أنه تزوج: هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك ذكره بوصية ابيه, فقال: يا نبي الله ان ابي ترك اخوات
    والامر كذا وكذا, فاقره صلي الله عَليه وسلم علي قوله ذلِك بسكوته
    ولم يعنفه ولم يثرب عَليه صلوات الله وسلامه عَليه
    ان مِن حولنا مِن ابوين وزوجة وبنات وبنين احوج الناس الينا, ولا خير فينا ان كَان الانسان منا يحاول ان يعطي الابعدَ ويترك الاقرب, ولكن يقدم مِن قدمه الله؛ لان مِن يعطي الابعدَ ويترك الاقرب نقول له: ان كنت تُريدَ ما عِندَ الله فليس هَذا الطريق الَّذِي رسمه الله جل وعلا لنا, وان كنت تُريدَ ما عِندَ الناس فإن الناس لا يملكون قلوبهم حتّى يهبوها لك, فكيف تطلب مِنهم شَيئا لا يملكونه ولا يطيقونه وإنما يعرف الرجل الرباني بسيره علي مِنهاج الله وبوقوفه عِندَ كلام الله وكلام رسوله صلي الله عَليه وسلم
    قال المؤرخون: ان عمر رضي الله تعالي عنه وارضاه مر ذَات ليلة علي فتية مِن الانصار يحتسون الخمر فِي حائط: اي: فِي بستان, فاعتلي السور ودخل عَليهم
    فقالوا: يا امير المؤمنين جئنا بواحدة وجئتنا بثلاث
    قال الله: ولا تجسسوا [الحجرات:12] وانت تجسست
    وقال الله: واتوا البيوت مِن ابوابها [البقرة:189] وانت اتيتنا مِن اعلي السور
    وقال الله: حتّى تستانسوا [النور:27] اي: تستاذنوا
    وانت لَم تستاذن
    وكان عمر يملك الردَ علي هذا, ولكنهم لما اتوا عَن طريق الايات اطرق رضي الله عنه وارضاه راسه لهم, وهَذا هُو حقيقة الوقوف عِندَ ايات الله
    قال حافظ رحمه الله: وفتية اولعوا بالراح فانتبذوا لَهُم مكانا وجدوا فِي تعاطيها ظهرت حائطهم لما علمت بهم والليل معتكر الارجاءَ ساجيها قالوا مكانك قَدَ جئنا بواحدة وجئتنا بثلاث لا تباليها فات البيوت مِن الابواب يا عمر فقدَ يزن مِن الحيطان اتيها ولا تجسس فهذي الاي قَدَ نزلت بالنهي عنه فلم تذكر نواهيها فعدت عنهم وقدَ اكبرت حجتهم لما رايت كتاب الله يمليها وما انفت وان كَانوا علي حرج مِن ان يحجك بالايات عاصيها وهَذا هُو الشاهدَ مِن القصيدة كلها
    فعندما تقبل قول أحدَ لانه استدل عليك بالقران, تقبله للدليل لا لذاته, وهَذه تربية عظيمة يربي المرء عَليها نفْسه, ولكنها تَحْتاج الي نوع مِن المكابدة والاستمرار والاخذ والعطاءَ ما امكن الي ذلِك سبيلا
    ويندرج فِي هَذا الامر كذلِك حب الانسان للصغار مِن اهل بيته
    فاعظم الوشائج بَين الابناءَ والبنات وبين ابويهم تلك الَّتِي تورث فِي الصغر
    والَّتِي يَكون فيها الانسان وافر العطاءَ مِن الحنان والشفقة والمودة لمن يحب
    فقدَ قطع نبينا صلي الله عَليه وسلم خطبة لَه وهو يري الحسن و الحسين يمشيان فيعثران
    فلما راهما يمشيان ويعثران قطع الخطبة وحملهما ووضعهما بَين يديه ورقي اعوادَ منبره
    ثم قال: صدق الله ورسوله: إنما اموالكُم واولادكم فتنة [التغابن:15] لقدَ نظرت الي ابني هاذين يمشيان فيعثران فلم اصبر حتّى نزلت وحملتهما)
    وقام مِن الليل كَما فِي المسندَ بسندَ صحيح يسقي الحسن و الحسين صلوات الله وسلامه عَليه



    العفو عِندَ المقدرة


    ومن خصائص المجتمع المدني الَّذِي مِن الله جل وعلا عَليه بالحيآة السعيدة انذاك العفو عِندَ المقدرة
    والعفو شَيم مِن شَيم الكرام كَانت العرب تتغني بِه فِي الجاهلية
    فلما بعث صلي الله عَليه وسلم ليتمم مكارم الاخلاق ربي امته علي هَذه الخصلة
    وجاءَ القران مِن قَبل بها فقال تعالى: وان تعفوا اقرب للتقوي ولا تنسوا الفضل بينكم [البقرة:237]
    وجزاءَ سيئة سيئة مِثلها فمن عفا واصلح فاجره علي الله [الشورى:40]
    فكلها رغائب ذكرها جل وعلا فِي كتابه تحث المؤمنين علي العفو
    ونبينا صلي الله عَليه وسلم خير مِن ملك ثُم عفا مِن البشر
    يقول بَعض اهل السير: ان ابا سفيان بن الحارث وهو أحدَ خمسة يشبهون النبي صلي الله عَليه وسلم
    وهم: الحسن و الحسين و قثم و الفضل و ابو سفيان بن الحارث رضي الله تعالي عنهم جميعا يقولون: ان هَذا الصحابي الجليل رضي الله عنه وارضاه كَان قَبل اسلامه يقرض الشعر ويهجو النبي عَليه الصلآة والسلام حتّى اهدر دَمه
    فلما مِن الله عَليه بالهداية استحيا مِن دَخوله علي رسول الله صلي الله عَليه وسلم
    فيقال: ان احدي امهات المؤمنين اشارت عَليه بان: قل لَه كَما قال اخوة يوسف ليوسف: قالوا تالله لقدَ اثرك الله علينا وان كنا لخاطئين [يوسف:91] فإن نبي الله لا يحب ان يَكون أحدَ خيرا مِنه
    اي أنه ينافس فِي الطاعات ويسابق فِي الخيرات صلوات الله وسلامه عَليه
    فلما قالها قَبل النبي صلي الله عَليه وسلم خطابه وعفا عنه
    واعظم ما يدفع الي مِثل هَذا انتظار الفضل مِن الله؛ لان الله ابهم اي: لَم يبين مقدار الجزاءَ لمن عفا الله عنك فقال جل وعلا: فمن عفا واصلح فاجره علي الله [الشورى:40]
    وما ابهمه الله جل وعلا فِي هَذا الموقف فإن سياق القران يدل علي أنه شَيء عظيم تشرئب اليه الاعناق
    وينشده الافاضل مِن الرجال والنساء
    ولا ريب فِي ان مِن اعظم ما يُمكن ان نتعلمه مِن الدين ان كُل مِن اوقفه الله جل وعلا ضعيفا بَين يديك واردت ان تعامله فعامله بمثل ما تحب ان يعاملك الله بِه إذا وقفت بَين يديه



    سبل التحلي بخصائص المجتمع المحمدي


    واما السبل الَّتِي تعين المؤمن علي ان يتحلي بنشر هَذه الخصائص وما لَم نذكره مِن خصائص المجتمع المحمدي فاولها بلا شَك: العلم بالله جل وعلا
    فالعلم بالرب تبارك وتعالي مفتاح كُل خير
    ولا يتصور ان احدا يعبدَ الله علي مِنهج بَين وطريق واضح وخشية فِي القلب وهو لا يعلم الله
    فاعظم العلم معرفة الله
    ومعرفة اسمائه وصفاته
    وحتي يَكون الحديث اوضح فإن اجلال الله جل وعلا فِي القلب مما ذكره الله جل وعلا فِي كتابه المبين يعين المؤمن علي ان يعرف ربه
    ولله المثل الاعلى
    فاي شَيء تُريدَ ان تعرف كينونته لتصل اليه فلن تصل اليه الا باحدي ثلاث طرائق: اما ان تراه
    واما ان يراه غَيرك فيصفه لك
    واما ان تقيسه علي مِثله
    ولكي تزدادَ عظمة الله فِي قلبك فاعلم ان هَذه الثلاثة منتفية فِي حق الله
    فنحن لَم نر ربنا
    ولم يره أحدَ فيصفه لنا
    وليس لله ندَ ولا مثيل ولا شَبيه حتّى نقيسه عَليه
    فسبحانك وبحمدك
    ما عبدناك حق عبادتك
    فالعلم بالله جل وعلا مفتاح كُل خير
    وهو السبيل الاعظم للوصول الي تلك الخصائص




    دراسة السيرة النبوية


    ثم بَعدَ ذلِك تاتي دَراسة السيرة العطرة والايام النضرة لرسول الله صلي الله عَليه وسلم
    علي ان تَكون تلك القبسات مما فيه شَمولية كاملة يعرف بِه المنهج الحق؛ لان مِن اخطائنا المعاصرة ان ياتي احدنا الي مجتمع مسلم
    ثم يُريدَ ان يقيم دَعوة سرية فِي مجتمع مسلم
    فاذا ناقشته قال: ان النبي صلي الله عَليه وسلم اجتمع هُو وفلان وفلان
    وعدَ خيار الاكابر مِن الصحابة فِي دَار الارقم ابن ابي الارقم
    فيقال له: الا تعلم ان الدعوة مرت بمرحلة سرية وجهرية ومرحلة هجرة وهَذا امر فيه ذهول عَن حقيقة السنة والسيرة بحق
    فهَذا الامر صنعه النبي صلي الله عَليه وسلم فِي مجتمع كافر مِن صناديدَ قريشَ لا يؤمن بالله ولا برسوله
    واما أنت فَتحيا فِي مجتمع يؤمن بالله ورسوله
    فلا سبيل ابدا الي تطبيق مِثل هَذا الامر
    وإنما دَعوة الانبياءَ واضحة ظاهرة تقال فِي الملا كَما تقال فِي الخلاء
    قال الله جل وعلا حكاية عَن كليمه موسى: قال موعدكم يوم الزينة وان يحشر الناس ضحي [طه:59] اي: ائت بالناس
    فانا لا املك شَيئا اخفيه فتعال فِي ضحي النهار
    او فِي رابعة النهار
    وادع مِن شَئت
    ابعث البعوث لتدعو الناس؛ لانني لا يُوجدَ شَيء عندي اخفيه
    فانا ابلغ
    فهَذا هُو لسان حال موسي ومقاله؛ فالمقصودَ مِن هَذا أنه يَجب ان نقرا السيرة النبوية قراءة صحيحة فِي قضية الاستشهادَ بها حتّى نكون علي بينة مِن امرنا



    ذكر اليَوم الاخر واهواله


    الامر الثالث مِن الوسائل: ان يذكر الانسان معاده
    وانه صائر الي ربه لا محالة يا ايها الانسان انك كادح الي ربك كدحا فملاقيه [الانشقاق:6] فالناس يخرجون مِن القبور أول الامر مضطربين
    يحوم بَعضهم حَول بَعض لا يدرون أين يذهبون
    كَما قال الله: كالفراشَ المبثوث [القارعة:4] فيسمعون صوت اسرافيل يدعوهم الي ارض المحشر
    فينتظم سلكهم
    قال الله جل وعلا: كَانهم جرادَ منتشر [القمر:7] ولا يُوجدَ بعث قَبل هَذا ولا يُوجدَ بعث بَعده
    قال الله: يومئذ يتبعون الداعي لا عوج لَه وخشعت الاصوات للرحمن فلا تسمع الا همسا [طه:108]
    فيحشر الناس حفآة عرآة احوج ما يكونون الي الكسوة
    ويحشر الناس عطاشا احوج ما يكونون الي الماء
    وتدنو مِنهم الشمس فيكونون احوج ما يكونون الي الظل
    والموفق مِن جمع الله جل وعلا لَه هَذه الثلاث
    فكساه يوم الحشر
    وسقاه مِن حوض محمدَ صلي الله عَليه وسلم
    واظله تَحْت ظل عرشه يوم لا ظل الا ظله
    اسال الله باسمائه الحسني وصفاته العلي ان يجمعها لِي ولكُم اجمعين
    فهَذه الثلاث يتذكرها المؤمن فِي غدوه ورواحه
    فَهي مِن اعظم ما يعينه علي تحقيق المراد
    والوصول الي الغايات العظمى؛ لان الغاية العظمي ان يقدم الانسان لحياته الحقيقة
    فقدَ اخبر الله تبارك وتعالي عَن اهل الضلال بانهم يتعذر عَليهم ذلِك فيقول كُل مِنهم: يا ليتني قدمت لحياتي [الفجر:24]



    المعني البلاغي فِي لَو و(لولا)


    ليتذكر المرء ان هُناك لَو وهُناك لولا)
    و(لو عِندَ النحويين حرف امتناع لامتناع
    و(لولا حرف امتناع لوجود
    فلو ان أحدَ الاخوة لَم يستطع الحضور الي مكان ما فانه يقول: لَو كَان زيدَ موجودا لاتيت
    فانتفي اتيانه لانتفاءَ وجودَ زيد
    واما لولا فتَكون حرف امتناع لوجود
    وللفظتين تطبيق فِي القران
    فاذا دَخل اهل الجنة الجنة واهل النار النار يري الله اهل الجنة مقاعدهم فِي النار الَّتِي نجاهم مِنها
    ويري اهل النار مقاعدهم فِي الجنة الَّتِي حرموا مِنها بسَبب كفرهم
    فيقول اهل الجنة: الحمدَ لله الَّذِي هدانا لهَذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله [الاعراف:43] اي: لولا وجودَ رحمة الله لكِنا مِن اهل النار
    واما اهل الضلالة فيقول كُل مِنهم كَما قال الله: لَو ان الله هداني لكِنت مِن المتقين [الزمر:57] فامتنعت عنهم الهداية
    فامتنع ان يكونوا مِن اهل التقوى
    وامتنعت رحمة الله عنهم فامتنع ان يكونوا مِن اهل الجنة فِي تلك المقاعدَ الَّتِي يرونها
    واذا كَان المؤمن موفقا مسددا فانه يجعل هَذه الامور بَين يديه يؤمل ان يصل الي حيآة اسعد
    علي ان خاتمة المطاف ان يقال: أنه لا يعمر القلب شَيء اعظم مِن ذكر الله جل وعلا
    قال الله جل وعلا: الا بذكر الله تطمئن القلوب [الرعد:28] ومن استانس بالله استوحشَ مِن خلقه
    واللبيب العاقل مِن يجعل لَه خلوات اما سجدات فِي فلق الاسحار أو غَيرها يذكر ربه تبارك وتعالي فيها
    سواءَ اكان فِي ملا مِن الناس ام كَان فِي خلوة لوحده؛ فإن ذكر الله حيآة الضمائر وانس السرائر واقوي الذخائر
    امر الله بِه نبيه وحث الله جل وعلا عَليه عباده
    من وفق لَه وفق لخير عظيم
    هَذا ما تيسر ايراده واعان الله علي قوله
    سائلين الله جل وعلا ان يعفو عَن الزلل
    وان يجبر الكسر والخلل
    ان ربي لسميع الدعاء
    وصلي الله علي محمد
    وعلي اله
    والحمدَ لله رب العالمين
    ......




  2. #2
    ادارة سابقة
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    4,950

    رد: " البحث عن السعادة " للشيخ صالح بن عواد المغامسي ... " حفظه الله " ...

    جزاك الباري خيرا علي هَذا الطرح

    جعله الله فِي موازين حسناتك

    حفظك الرحمن و رعاك

  3. #3
    مشرفة الصورة الرمزية جنات
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    1,507

    رد: " البحث عن السعادة " للشيخ صالح بن عواد المغامسي ... " حفظه الله " ...


    اخي ابو عجايب

    ماشاءَ الله بحث شَامل كامل مفيدَ وممتع وشافي جزاك الله كُل الخير وجعله الله فِي ميزان

    حسناتك ونفعك الله بِكُل الخير كَما استفدتنا مِن هَذا العمل الطيب

    بارك الله فيك ووفقك لكُل خير

    كُل الشكر والتقدير

    موضوع فعلا يستحق الشكر والتثبيت لتعم الفائده

    تقبل مرورى



    :rose::rose::rose:

المواضيع المتشابهه

  1. ابتلاءات الرسول صلى الله عليه وسلم :: للشيخ : صالح بن عواد المغامسي " حفظه الله " ...
    بواسطة أبو عجائب في المنتدى منتدى الحمادين الاسلامي خطب محاضرات اناشيد فتاوى تفسير
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 11/12/2009 - December 11th, 12:49 AM
  2. تسجيل الدخول بالصلاه على النبي صلى الله عليه وسلم (( بــــدعه )) وهنا الدليل ...
    بواسطة غالية الاثمان في المنتدى منتدى الحمادين الاسلامي خطب محاضرات اناشيد فتاوى تفسير
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 23/07/2009 - July 23rd, 12:58 PM
  3. ][ 47 سنّة عن الرسول صلى الله عليه وسلم ][
    بواسطة أمــيــر بــنــظــرتــي في المنتدى منتدى الحمادين الاسلامي خطب محاضرات اناشيد فتاوى تفسير
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 23/07/2009 - July 23rd, 12:18 AM
  4. سلسلة قصص الانبياء
    بواسطة مـحــــ الحمادين ــبــوب في المنتدى القصص و الروايات قصة رواية حكاية
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 17/07/2009 - July 17th, 05:15 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

SEO by vBSEO 3.6.1