وقفت فِي الصف مَع الرجال

امام شَباك التذاكر

وكان الزحام شَديدا فِي نِهاية الصيف والطابور يتلوي لطوله ويبرز خارِج المحطة


وكان آخر قطار " دَيزل " يتجه الي القاهرة

ومع ان معظم الواقفين فِي الطابور لَم يكن عندهم ادني امل فِي الحصول علي مقعدَ ولكنهم وقفوا

وصبروا ليجربوا حظهم

وكان عامل التذاكر فِي محطة " سيدي جابر " بليدا ولئيما وحلا لَه تعذيب الواقفين أمامه فِي الطابور

اذ كَان يعمل فِي بطء شَديدَ
ويحادث موظفا فِي الداخِل بَين الحين والحين ويدير راسه الي الوراءَ دَون سَبب ظاهر ثُم يعودَ فِي تكاسل الي عمله


وكان كُل الَّذِين يرون هَذا المشهدَ المغيظ
لايبدو مِنهم التذمر أو الاعتراض

فقدَ الفوا مِثل هَذه الاشياء

واعتادوا عَليها

وكانوا علي يقين

بعدَ التجربة المرة

ان الشكوي والتذمر لا جدوي مِن ورائهما
.ولا يغيران الحال

فلاذوا بالصمت

وصمتت السيدة مِثلهم ولكنها كَانت تشعر بالغيظ

وصبرت حتّى جاءَ دَورها واصبحت أمام الموظف علي الشباك

وفتحت حقيبتها لتخرج ثمن التذكرة

وارتعشت يدها وتمتمت ثُم اخضلت عيناها بالدمع


وظهر عَليها الاضطراب بوضوح

واخذت تتلفت زائغة البصر

ثم خرجت مِن الصف وهي لاتستطيع حبس عبراتها

وادرك الرجل الَّذِي كَان وراءها فِي الصف حالها وما جري لها

وكان قَدَ سمعها وهي تقول

تذكرة لمصر


ثُم انشل لسانها


فاخرج ورقة بخمسة جنيهات مِن جيبه وقطع تذكرتين بدلا مِن تذكرة واحدة

وتناول الباقي مِن الموظف ثُم خرج مِن الصف


وظل يبحث عَن السيدة حتّى وجدها خارِج المحطة

فتقدم اليها وقال بلطف وهو يمدَ يده بالتذكرة


ادركت ما حدث

فاسمحي لِي بان اقدم هَذه التذكرة

وعندما تعودين الي بيتك

ردي ثمِنها فِي أي وقْت


فنظرت الي الرجل مدهوشة

لم تكُن تقدر

او تنتظر مِثل هَذا مِن انسان

وتصورت ان الرجل يحتال عَليها

او يفعل شَيئا ليتقاضي ثمنه مضاعفا

وظلت مترددة واجمة ولكن لما توضحته ونظرت الي عينيه توسمت فيهما الطيبة المطلقة


فتناولت مِنه التذكرة

وهمست


متشكرة


وبعدَ ان دَخلت مِن باب المحطة

تذكرت أنها لَم تسال الرجل عَن عنوانه لتردَ لَه نقوده


فمشت اليه فِي استحياءَ

ولكن

حضرتك

لم تعطني عنوانك


فِي القطار

اننا جنب بَعض


جنب بَعض

وعاودتها الهواجس أنه يستغل الموقف اذن

واضطربت وعلا وجهها السهوم

لقدَ كَانت تتصور فيه الطيبة فاذا بِه كغيره مِن الرجال استغل موقفها ببراعة

تردَ لَه التذكرة ولكن أين تذهب فِي هَذه المدينة الكبيرة وهي وحيدة مفلسة فبعدَ ان نشلت ليس فِي جيبها أي نقودَ علي الاطلاق

وليس لَها قريب أو غريب فِي الاسكندرية تعتمدَ عَليه


وظلت حائرة مضطربة

ثم شَعرت بالقطار يدخل المحطة فانقذها مِن حيرتها وركبت وهي تترك الامر للمقادير


*
وبحثت عَن الرجل وراءها وقدامها وهي تدخل فِي جوف العربة فلم تجده

وكان الزحام شَديدا

خلق كثِير

يتدافع بالمناكب

في دَاخِل العربة

وتحركت ببطء وهي تقدر العثور عَليه بَعدَ ان تجلس علي المقعد

فَهو بجوارها كَما قال لها


ولكنها وجدت رقم كرسيها بجوار سيدة فجلست متعجبة

ولما تحرك القطار تطلعت فابصرت بالرجل هُناك فِي اقصي العربة

يجلس بجوار الباب


وظلت عيناها معلقتين به

وهي تنتظر مِنه ان يتحرك مِن مكانه وياتي اليها وعلي الاخص وهو يعرف رقم مقعدها

ولكنه لَم ينهض حتّى بَعدَ ان جاوز القطار محطة " دَمنهور "


وفي محطة " طنطا " حمل اليها لفة طعام ونظرت اليه

وابتسمت

وتناولت اللفة صامتة

فقدَ خشيت ان رفضتها ان تثير فضول الركاب

وخصوصا السيدة الَّتِي بجوارها فَهي فضولية الي اقصي مدى


ولذلِك تناولت مِنه الطعام وهي تشعر مِن حولها بأنها قريبة لَه أو حتّى زوجته

فَهو فِي سن زوجها

واخذت تاكل

ضامة شَفتيها ما امكن

وعزمت علي جارتها أكثر مِن مرة


وبعدَ ان فرغت مِن الطعام واحست بأنها تقترب مِن محطة القاهرة

فكرت فِي الَّذِي تفعله لتصل الي بيتها فِي الدقي فِي هَذا الليل ومعها حقيبة ثقيلة


وخرجت مِن القطار

تحمل حقيبتها بيدها

وفي الصالة الخارجية لمحطة القاهرة كَان الرجل بجانبها يعينه

ودفع الي يدها ورقة بخمسين قرشا


وقال


هَذا للتاكسي


فقالت لَه بثبات هَذه المرة


ابدا

لابدَ مِن اسمك وعنوانك اولا


فابتسم فِي لطف

واخرج مِن جيبه ورقة وقلما

وانتحي جانبا ليكتب ثُم طوي الورقة

وقال لها


فِي هَذه الورقة اسمي وعنواني ورقم تليفوني ايضا


واركبها تاكسي

واختار لَها سائقه


ولما دَخلت البيت

كان زوجها لايزال فِي الخارج

وكَانت الشغالة فِي انتظارها وسرت لقدومها


ولما اخرجت " ثريا " ملابسها مِن حقيبتها واستراحت قلِيلا اخرجت مِن حقيبة يدها الورقة الَّتِي اعطاها لَها الرجل " وكَانت عدة طيات ففردتها ونظرت فيها

فوجدتها بيضاء

ليس فيها حرف واحدَ "

وابتسمت وصورة الرجل الغريب تتضخم أمامها وتعظم حتّى ملات جوانب البيت كله


فقدَ لمست لاول مَرة فِي حياتها النبل والشجاعة فِي انسان
.






منقول