: عندما منّ الله على الملك عبدالعزيز آل سعود - رحمه الله - بتاسيس الدولة السعودية الثالثة، لم يكن معه المال الوفير ليشتري ولاء شعبه، ولم يرفع العصيّ عليهم ليجبرهم على حبّه، ولم يلقّنهم ( الوطنيّة ) ويُسمعهم الأغاني والأهازيج.
لقد هدى الله المؤسس - رحمه الله - إلى الطريق الأسرع لترسيخ الأمن، وتحقيق الوحدة الوطنية، فمالت إليه القلوب، واجتمعت على حكمه القبائل والشعوب.
فقد حكّم الملك - رحمه الله - الشريعة الإسلامية، لتكون واقعًا مشاهدًا لا مجرّد دعوى، ولهذا يقول الشيخ ابو بكر الجزائري إنّ الله أقام بدولة الملك عبدالعزيز الحجّة على المسلمين، وبالفعل لقد عادت نسائم الخلافة بعد أمد طويل.
يقرّر المؤرّخون بأنّ أهم سمات دولة الملك عبدالعزيز، وقوفه - رحمه الله - عند أقوال أهل العلم، فلا يصدر إلا عن رأيهم، يؤكّد ذلك قوله في إحدى خطاباته: " فمن أفتى أو تكلم بكلام مخالف لما عليه الشيخ محمد بن عبدالوهاب، وأولاده: عبدالله، وعبدالرحمن، وعبداللطيف، وعبدالله بن عبداللطيف، فهو متعرض للخطر ؛ لأننا نعرف أنه ما يخالفهم إلا إنسان مراوز للشر والفتنة بين المسلمين" حرصًا منه على استقرار الفتوى عند علماء راسخين، دفعًا للفوضى.
وكما تقدّم فإنّ المحكّ وتصديق الدعوى هو التطبيق، وهو ما عرف في سيرته، ويشهد لذلك ما ذكر المؤرخ خير الدين الزركلي في كتابه الوجيز في سيرة الملك عبدالعزيز (ص198 ) أنه في شهر شوال من عام 1369هـ ،كان بعض المسؤولين قد أعدُّوا العدة لإقامة احتفال بمناسبة مرور خمسين عاماً على دخول الملك عبدالعزيز مدينة الرياض. وقد وُضعت الترتيبات والاستعدادات بحيث تعطل المدارس والدوائر الحكومية في الرابع من شهر شوال ، ويفتح أمراء المناطق أبوابهم لاستقبال المهنئين نيابةً عن الملك ، وتوزع الأطعمة والأكسية على الفقراء احتفالاً بالمناسبة.
لكن قبل أن يقع شيءٌ من ذلك كله صدر بيانٌ من وزارة الخارجية هذا نصه :
"كانت الحكومة قد قرَّرتْ الاحتفال بالذكرى الذَّهبية لدخول جلالة الملك إلى الرياض منذ خمسين سنة. وقد استفتُى علماء الدين في ذلك ، فأفتوا بأنه ليس من سنن المسلمين ، ولا يجوز أن يتخذ المسلمون عيداً إلا عيدي الفطر والأضحى. ونزولاً من جلالة على حكم الشريعة أمر بإلغاء المراسم والترتيبات".
إنّ من البرّ بهذا الإمام أن تبقى دولته التي جاهد من أجلها مقيمة لشرع الله كما أرادها، والمسوؤلية تقع على الجميع بلا استثناء، فهو ومن معه نصبوا وتعبوا في البناء، ومن الخيانة أن يُهدم ما أفنوا أعمارهم في بنائه.


رد مع اقتباس
