د. أحمد بن صالح الزهراني
قاعدة: سهام الذنوب تدمي الباطن قبل الظاهر، ويبدأ أثرها من الباطن إلى الظاهر، بعكس السهم الحسّي الّذي يدمي الظاهر أولاً ثمّ يسري أثره إلى الباطن.
كثيراً ما نعجب من تحوّل شخص بشكل مفاجئ، ويصيبنا الذهول من سرعة الانتقال من حال إلى حال في زمن لا يتناسب أحياناً مع الحال الأوّل، سواء كان التحول من الهداية إلى الضلالة أو العكس.
وهذا ليس غريباً في الحقيقة، وإنّما أصبح كذلك بسبب جهلنا بحقائق النفس وطبيعتها.. ولهذا نتعجب إذا كان التحول من الهداية إلى الانحراف، لكننا لا نفعل ذلك كثيراً إذا كان التحوّل من الضلال إلى الهداية، ونظن أنّ ذلك هداية فجائية من رب العالمين.. ومع الاتفاق على أنّ الهداية نعمة ومنّة من الله، وأنّ الضلال نقمة وعقوبة منه كذلك، وأنّه لا يهتدي مهتد، ولا يضلّ ضالّ إلاّ بإذنه تعالى.. فإنّ هناك أمراً لا يهتدي إليه أكثر الناس وبسببه يغترّ من يغترّ.
التعامل مع النفس الإنسانية يبدأ من القلب.. فالقلب هو المتلقّي الأوّل لأيّ سهم جارح أو قطرة ماء مغيثة.
عندما ينظر العبد نظرة حراماً أو يسمع حراماً فإنّ ذلك السهم المسموم يخترق مجاري العين أو السمع ليستقر في القلب فيدميه، وهذا النزف الداخلي لا يراه الناس، وقد لا يشعر به المجروح لشدة جموح الشهوة أو الرغبة في المعاصي وتلذّذه بها.
ويظل الجسم يقاوم نزف القلب الذي سبّبته هذه السهام حتّى يأتي يوم يتورّم فيه الجسد ويتقيّح، وتظهر بثور المرض على ظاهر الإنسان والتي هي في موضوعنا هنا: المعاصي الظاهرة والتمرّد والنكسة الظاهرية.
فحين تقول إن فلاناً انتكس فجأة فهو تعبير غير دقيق، بل الانتكاسة والانحراف بدأ قديماً من أوّل سهم أصاب القلب.
وحين نقول: إن فلاناً اهتدى فجأة فهو تعبير غير دقيق كذلك؛ فإنّ الهداية بدأت من أوّل كلمة طيبة أو نظرة مؤثرة اخترقت الحجب، واستقرت في تربة القلب، فأحيت بذرة الخير التي لا تزال تنمو وتنمو وتقاوم ظروف المعصية وأجواء الذنوب، حتى يأتي اليوم الذي يخترق جذعها طبقات الجسد فتخرج مورقة خضراء، فيتزيّا ظاهر الجسد والجوارح بالعمل الصالح، فيقول الناس: فلان اهتدى فجأة، وليس الأمر كما يحسبون.
إنّ الحدث الذي يعتبر نقطة التحوّل من حال إلى حال ليس هو البداية، وإنّما يمكن اعتباره القشة التي قصمت ظهر البعير، ليس إلاّ..
والعبرة هنا: أنّ المحك هو الباطن، هو القلب: فإذا بذرت بذرة الخير، وقلت الكلمة الطيبة فلا تنتظر أن تورق في الحال، بل ثق أنّها يوماً ما ستأتي أُكُلها بإذن الله.
وإذا فعلت أو رأيت من يقع في المعصية وظاهر حاله الصلاح فلا تأمن على نفسك أو عليه يوماً من تكاثر السهام، واعلم أنّ القلب مريض وإن بدا في ظاهر الحال غير ذلك.
ولهذا دائماً ما يقرن الله تعالى القلب بالسمع والفؤاد: (إنّ السمع والبصر والفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسؤولا). [الإسراء:36] ، لأنّ كل المعاصي تبدأ من سهام تمرّ من العين والسمع إلى القلب، فإذا أصابه السهم ومرض فسدت تصوّراته وإرادته، فأصبح متصوّراً للشر، مريداً له بدل الخير، ومن ثم تتحرك جوارحه للمعصية، فمباح بعد مباح، وشبهة تعقبها شبهة، وصغيرة بعدها صغيرة ثمّ كبيرة باستتار وحياء، ثمّ مجاهرة ومكابرة وإعلان النكوص، وهذا هو معنى قوله تعالى وصدق إذ قال: (ولا تتبعوا خطوات الشيطان).


رد مع اقتباس
